لم يكن ما جرى في اجتماع مجلس السلم والأمن الإفريقي مجرد تصويت إجرائي على مقترح دبلوماسي، بل كان لحظة كاشفة لتحولات أعمق في مفهوم الشرعية داخل القارة. فإسقاط المشروع الذي سعت القاهرة إلى تمريره لرفع تجميد عضوية حكومة البرهان يؤكد أن الاتحاد الإفريقي لم يعد ساحة سهلة لتصفية الحسابات الإقليمية أو إعادة تدوير سلطات الأمر الواقع.
منذ أن علّق الاتحاد الإفريقي عضوية السودان عقب انقلاب 2021، وضع معايير واضحة لعودة أي سلطة إلى الحظيرة المؤسسية: مسار سياسي مدني، توافق وطني، ووقف للعنف.
هذه الشروط لم تتحقق بعد، بل إن الحرب المستعرة زادت المشهد تعقيدًا. لذلك بدا التحرك المصري أقرب إلى محاولة استباق للوقائع، أكثر منه استجابة لمتطلبات الميثاق الإفريقي.
اللافت أن الرفض لم يكن صامتًا أو رمزيًا، بل جاء عبر تمسك أفريقي جماعي بالإجراءات واللوائح. حتى البيان الختامي، الذي صيغ بلغة توافقية تحفظ ماء الوجه، حمل في جوهره رسالة واضحة: لا اعتراف بأي سلطة خارج إطار عملية سياسية شاملة.
بهذا المعنى، فإن المجلس لم يُسقط مقترحًا فحسب، بل ثبّت مبدأ أن الشرعية في أفريقيا اليوم تُقاس بمدى الانخراط في مسار مدني، لا بقدرة العواصم الداعمة على الحشد الدبلوماسي.
في المقابل، لعبت تحركات القوى المدنية السودانية، ومنها وفد تحالف “صمود” برئاسة عبد الله حمدوك، دورًا مهمًا في إعادة توجيه النقاش نحو الأولويات الحقيقية: وقف الحرب، إيصال المساعدات، ومعالجة أوضاع اللاجئين والنازحين. هذا الطرح أعاد تعريف مركز الثقل في القضية السودانية، من صراع على المقاعد إلى صراع على السلام.
الرسالة التي خرجت من أديس أبابا تتجاوز السودان ذاته. إنها تقول إن القارة تتجه، ولو ببطء، نحو تحصين مؤسساتها ضد شرعنة الانقلابات أو مكافأة الأمر الواقع. كما تكشف أن ميزان التأثير الإقليمي لم يعد أحادي الاتجاه، وأن الاصطفافات التقليدية لم تعد كافية لتمرير قرارات مصيرية.
السودان اليوم ليس أمام معركة عضوية، بل أمام امتحان دولة. وأفريقيا، في هذه الجولة، اختارت أن تنتظر اكتمال شروط الشرعية، لا أن تمنحها سلفًا.