إن القراءة البنيوية للتاريخ السياسي السوداني تكشف عن حقيقة مرة، وهي أن المركز في الخرطوم، أو ما تبقى منه في بورتسودان حالياً، لا يرى في السيادة مسؤولية رعاية أو عقداً اجتماعياً، بل يراها “حقاً حصرياً في القتل والتجويع” تحت غطاء الشرعية الدولية. ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة إطلاق عملية “شريان الحياة 2” ليس كاستجابة إنسانية عابرة أو فعل إغاثي معزول، بل كفعل سياسي استراتيجي وحتمي يجب أن يتبناه تحالف القوى المدنية (تقدم) والمجتمع الدولي لانتزاع حق الوجود لضحايا “المقتل البشري الكامل” في الهامش السوداني. فعلى هذه القوى أن تدرك، وبشكل قاطع، أن السيادة التي تُستخدم لتجويع المجتمعات في الأطراف وممارسة “التصفيح الهوياتي” ضدها هي سيادة ساقطة أخلاقياً وقانونياً، وأن الإصرار على استصدار “أذونات” الإغاثة من مركز يمارس “الفرز الاجتماعي” ضد الضحايا هو اعتراف ضمني بشرعية الجلاد وتواطؤ غير مباشر في إطالة أمد الإبادة الصامتة.
المطلوب اليوم هو اجتراح مفهوم “السيادة الوظيفية”، حيث تصبح الشرعية تابعة للطريق الذي يوفر الحياة، لا للمكتب الذي يمنح الأختام؛ وهذا يعني بالضرورة أن فتح ممرات “جوبا–أويل” و”تشاد–أدري” دون ارتهان لموافقة المركز، هو الخطوة الأولى والأساسية لتفكيك بنية الاستبداد التاريخي وإعادة الاعتبار للإنسان السوداني في تلك الأطراف. وفي هذا السياق، يجب أن ينتقل خطاب تحالف “تقدم” والمجتمع الدولي من المطالبة اللوجستية العامة إلى “الهندسة المكانية” للحل، عبر تحويل مدينة “أويل” في جنوب السودان إلى مركز ثقل إغاثي وسياسي جديد، حيث يمثل تعبيد وتأمين الطرق البرية من جنوب السودان نحو الهامش “تأسيساً” لواقع اجتماعي واقتصادي جديد يربط هذه المجتمعات بعمقها الأفريقي، ويكسر حالة الاستعباد المعنوي والتبعية القسرية لمركز لم يقدم للأطراف سوى أدوات الموت والدمار.
إن ما يحدث بعد الخامس والعشرين من أبريل 2023 هو “حرب بيولوجية” بامتياز، يُستخدم فيها الحرمان من الدواء والغذاء لتصفية مكونات اجتماعية محددة في الهامش، مما يجعل “شريان الحياة 2” الأداة القانونية والسياسية التي تفرض “الحماية الدولية” على مسارات الحياة. وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن استقرار شرق أفريقيا بات معلقاً اليوم بقدرة جوبا والمحيط الإقليمي على تأمين هذه الممرات، فالطريق المعبد والمؤمن هو “الدستور الحقيقي” الذي سيحمي الملايين في الأطراف من المصير المظلم، وهو الاختبار التاريخي لجدية القوى المدنية في تجاوز مربع “المناشدة” إلى مربع “الفعل السيادي”. إن التاريخ لن يغفر لمن وقف يتفرج على مأساة “المقتل البشري الكامل” بينما كانت طرق الحياة من أويل وأدري مشرعة، وتنتظر فقط إرادة سياسية تضع “حق البقاء” فوق “أوهام السيادة” لمركز فقد أهليته الأخلاقية للحكم.
السابق بوست