Fajr Press

حكاية مستشفى الضعين .. كارثة إنسانية بأمر الجنرال البرهان.

الضعين - فجر برس

في صباحٍ لم يكتمل ضوؤه بعد، كانت مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، تستيقظ على إيقاع مختلف. ليس صوت الباعة المتجولين، ولا ضجيج الحافلات القديمة، بل هدير الطائرات الذي مزّق سكون المكان، ثم دوّي انفجارات بدت كأنها تقتلع ما تبقى من حياةٍ هشة في إقليم أنهكته الحرب.

هناك، في قلب المدينة، كان مستشفى الضعين التعليمي – الملاذ الأخير لآلاف المرضى – يقف كخط الدفاع الأخير بين الحياة والموت. لم يكن مجرد مبنى، بل ذاكرة جماعية لأمهات وضعن أبناءهن بين جدرانه، وجرحى نجوا من جبهات القتال، وأطباء حملوا ما تبقى من ضمير المهنة في ظروف مستحيلة. لكن في لحظات قليلة، تحول كل ذلك إلى ركام.

بحسب البيان الصادر عن وزارة الصحة بولاية شرق دارفور والإدارة المدنية التنفيذية في 21 مارس، ارتفع عدد ضحايا القصف إلى “153” شخصاً بين قتيلٍ وجريح. من بين هؤلاء، “64” فقدوا حياتهم، بينهم “13” طفلاً، و”7″ نساء – اثنتان منهن من الكادر الطبي – و”44″رجلاً، بينهم طبيب كان يؤدي واجبه حين باغتته الغارة. أما الجرحى فبلغ عددهم “89” بينهم “8” من العاملين في القطاع الصحي، إضافة إلى عشرات الأطفال والنساء والرجال الذين لم يكن لهم ذنب سوى أنهم كانوا في المكان الخطأ، في الوقت الأكثر قسوة.

داخل المستشفى، كانت الحكايات تتكاثر قبل أن يُطمرها الغبار. ممرضة شابة كانت تحاول إنعاش طفل يعاني من الحمى، طبيب يناوب منذ أيام بلا نوم، وأم تجلس قرب سرير ابنتها المصابة بسوء التغذية. كل هؤلاء كانوا جزءاً من مشهد إنساني بسيط، لكنه عميق. ثم جاء القصف، ولم يعد هناك وقت لأي شيء – لا للإنعاش، ولا للوداع.

أحد الناجين، وهو ممرض في قسم الحوادث، يروي بصوتٍ متقطع: “سمعنا الصوت أولاً … ثم لم نرى شيئاً. فقط غبار وصراخ. عندما فتحت عيني، لم أجد القسم. لم أجد زملائي.”  كلماته لا تحمل فقط وصفاً لما حدث، بل اختصاراً لفاجعة أكبر: اختفاء مؤسسةٍ كانت تمثل الأمل الوحيد لملايين البشر.

الدمار لم يكن جزئياً، ولا قابلاً للإصلاح السريع. فقد تعرض مبنى حوادث مستشفى الضعين التعليمي لدمار كامل، وتلفت جميع الأجهزة والمعدات الطبية والأثاثات. أجهزة التنفس، أسِرّة الطوارئ، أدوات الجراحة – كلها تحولت إلى حطام. وبذلك خرج المستشفى عن الخدمة تماماً، تاركاً فراغاً صحياً هائلاً في ولاية تعتمد عليه بشكل شبه كلي.

هذا المستشفى لم يكن مجرد منشأة صحية عادية؛ بل كان المستشفى التعليمي الوحيد في ولاية شرق دارفور، يخدم نحو “3.5” مليون نسمة. من بين هؤلاء، حوالي “900” ألف نازح فرّوا من جحيم الحرب في مناطق أخرى، و”140″ ألف لاجئ من دولة جنوب السودان، وجدوا في الضعين ملاذاً مؤقتاً. اليوم، فقد هؤلاء جميعاً أهم شريان طبي كان يمدهم بالحياة.

في الأحياء القريبة من المستشفى، تتجلى آثار الكارثة في تفاصيل صغيرة لكنها موجعة. أم تجلس على الأرض، تمسك بيد طفلها المصاب، ولا تعرف إلى أين تذهب. رجل مسن يحمل وصفة طبية لم يعد لها معنى بعد أن اختفى المكان الذي كان سيصرفها. ومتطوعون يحاولون، بإمكانات محدودة، تقديم الإسعافات الأولية في الشوارع أو داخل منازل تحولت إلى نقاط علاج مؤقتة.

لكن ما يجعل هذه المأساة أكثر قسوة، هو أنها لم تستهدف فقط البشر، بل استهدفت القدرة على إنقاذهم. حين يُقصف مستشفى، لا يُقتل من بداخله فقط، بل يُحكم بالإعدام المؤجل على كل من كان سيحتاج إليه لاحقاً. النساء الحوامل، مرضى الملاريا، الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية – كلهم أصبحوا الآن بلا مأوى طبي.

النداءات التي أطلقتها وزارة الصحة في شرق دارفور تعكس حجم الكارثة. فقد ناشدت وكالات الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية والوطنية، بالتدخل العاجل لإنقاذ الوضع الصحي المتدهور في الولاية. هذه المناشدة ليست بروتوكولية، بل صرخة استغاثة حقيقية في وجه انهيار كامل للنظام الصحي.

في سياق أوسع، يعكس ما حدث في الضعين هشاشة البنية الإنسانية في مناطق النزاع، حيث يمكن لغارة واحدة أن تعيد سنوات من العمل إلى نقطة الصفر. كما يطرح أسئلة مؤلمة حول حماية المرافق الصحية في أوقات الحرب، وحول الثمن الذي يدفعه المدنيون – خصوصاً الأطفال – في صراعات لا يملكون فيها صوتاً.

ورغم كل ذلك، لا تزال هناك محاولات للتماسك. بعض الكوادر الطبية الناجية بدأت في تنظيم جهود بديلة، مستخدمة ما توفر من أدوات بسيطة، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن هذه الجهود، مهما كانت نبيلة، لا يمكن أن تعوّض غياب مؤسسة بحجم مستشفى الضعين.

في نهاية المطاف، لا تُختزل هذه القصة في أرقام الضحايا، رغم فداحتها. إنها قصة مكان كان يعني الحياة، فتحوّل إلى رمز للفقد. قصة أطباء وممرضين كانوا يحاربون الموت، فوجدوا أنفسهم ضحاياه. وقصة مجتمعٍ كامل، بات يواجه مستقبلاً صحياً غامضاً، في ظل غياب أبسط مقومات الرعاية.

في الضعين اليوم، لا يُسمع صوت الأجهزة الطبية، بل صدى الأسئلة: من سيعالج المرضى؟ من سيولد الأطفال؟ ومن سيعيد لهذا المكان نبضه؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.