Fajr Press

المؤتمر الشعبي .. رؤية موضوعية لحل الأزمة السودانية!

متابعات - فجر برس

تأتي الرؤية التي طرحها حزب المؤتمر الشعبي في لحظة مفصلية يمر بها السودان، حيث تتداخل أزمات الحرب مع انهيار مؤسسات الدولة وتفاقم الوضع الإنساني. ومن خلال قراءة هذه الورقة السياسية، يمكن القول إن الحزب يحاول تقديم مقاربة تبدو أقرب إلى “الواقعية السياسية” منها إلى الاطروحات الأيديولوجية التقليدية، عبر التركيز على إنهاء الحرب كمدخل أساسي لأي حل.

أول ما يلفت الانتباه في هذه الرؤية هو وضوح التشخيص؛ إذ لم يتعامل الحزب مع الأزمة باعتبارها مجرد صراع على السلطة، بل وصفها بأنها “أزمة دولة وطنية شاملة”. هذا التوصيف يعكس إدراكًا عميقًا بأن جذور الأزمة في السودان ليست طارئة، بل ممتدة في بنية الدولة نفسها، خاصة ما يتعلق بضعف المؤسسات، وغياب الشرعية المستقرة، والتوتر المزمن بين المكونين المدني والعسكري. هذا التشخيص يمثل نقطة قوة، لأنه يضع أساسًا صحيحًا لأي معالجة سياسية جادة.

في محور الحل، يضع الحزب وقف إطلاق النار كأولوية مطلقة، وهو طرح منطقي في ظل الكلفة الإنسانية الباهظة للحرب. كما أن رفضه الصريح للحسم العسكري يعكس تحولًا مهمًا في الخطاب السياسي، خاصة في سياق سوداني ظل لعقود رهينًا لمنطق القوة. ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان هذا الموقف، بل في مدى قدرة الفاعلين السياسيين والعسكريين على الالتزام به، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح الداخلية.

أما فيما يتعلق بالفترة الانتقالية، فإن اقتراح تحديدها بعام واحد فقط يُعد من أكثر النقاط إثارة للنقاش. من جهة، يعكس هذا الطرح رغبة في تجنب أخطاء التجارب الانتقالية السابقة التي اتسمت بالتمديد والتعثر، ومن جهة أخرى يطرح تساؤلات جدية حول مدى واقعية هذا الإطار الزمني. فإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتهيئة بيئة آمنة للانتخابات، ومعالجة آثار الحرب، كلها مهام ضخمة قد يصعب إنجازها في فترة قصيرة. وبالتالي، يمكن النظر إلى هذا المقترح باعتباره “هدفًا سياسيًا ضاغطًا” أكثر من كونه جدولًا زمنيًا قابلاً للتطبيق حرفيًا.

في جانب هيكلة السلطة الانتقالية، قدم الحزب تصورًا ثلاثيًا يقوم على مجلس وزراء مدني، ومجلس عسكري بمهام مهنية، ومجلس للأحزاب. هذا النموذج يسعى إلى تحقيق توازن بين الحاجة إلى إدارة مدنية، وضمان دور مهني للمؤسسة العسكرية، مع إشراك القوى السياسية في الرقابة. غير أن نجاح هذا النموذج مرهون بمدى وضوح الصلاحيات، وتحديد العلاقة بين هذه المستويات، خاصة أن التجارب السابقة في السودان أظهرت أن غموض الأدوار غالبًا ما يؤدي إلى صراعات داخل السلطة نفسها.

الطرح المتعلق بالفصل بين العمل العسكري والسياسي يُعد من أهم عناصر هذه الرؤية، إذ يلامس واحدة من أعقد إشكاليات الدولة السودانية. التأكيد على أن “الجمع بين البندقية والعمل الحزبي يفسد المجال العام” يعكس إدراكًا لخطورة عسكرة السياسة. لكن التحدي هنا ليس في المبدأ، بل في التطبيق، خاصة في ظل وجود قوى مسلحة ذات امتدادات سياسية واقتصادية، ما يجعل عملية الفصل عملية تدريجية ومعقدة.

وفي ملف العدالة الانتقالية، يتبنى الحزب موقفًا براغماتيًا عبر الدعوة إلى تأجيل الحسم النهائي لما بعد الانتخابات. هذا الطرح قد يُفهم على أنه محاولة لتجنب تسييس العدالة خلال المرحلة الانتقالية، لكنه في الوقت نفسه قد يثير مخاوف الضحايا من تأجيل حقوقهم أو تمييعها. وهنا يظهر التوتر التقليدي بين “السلام” و”العدالة”، وهو تحدٍ واجهته العديد من الدول الخارجة من النزاعات.

اقتصاديًا، تبدو الرؤية عامة إلى حد كبير، مع التركيز على إعادة الإعمار والتنمية المتوازنة. ورغم أهمية هذه العناوين، إلا أن غياب تفاصيل تنفيذية واضحة قد يضعف من قوة هذا المحور، خاصة أن الأزمة الاقتصادية في السودان تُعد من أبرز محركات عدم الاستقرار.

من زاوية سياسية أوسع، يمكن قراءة هذه الرؤية كجزء من محاولة إعادة تموضع الحزب داخل المشهد السياسي السوداني، عبر تبني خطاب توافقي يركز على الحلول الوطنية ويرفض التدخلات الخارجية. هذا التوجه قد يمنحه مساحة في أي تسوية قادمة، لكنه يظل مرهونًا بمدى قبول بقية القوى السياسية والعسكرية بهذه المبادرة.

في المحصلة، يمكن القول إن رؤية المؤتمر الشعبي تحمل عناصر إيجابية مهمة، أبرزها وضوح التشخيص، وأولوية وقف الحرب، والدعوة إلى دولة مدنية ديمقراطية. لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات تتعلق بواقعية بعض المقترحات، خاصة الإطار الزمني للفترة الانتقالية، وتعقيدات تنفيذ الإصلاحات في بيئة شديدة الهشاشة.

وبين الطموح السياسي والواقع المعقد، تبقى هذه الرؤية مساهمة جادة في النقاش الوطني، لكنها تحتاج إلى تطوير عملي وتوافق واسع حتى تتحول من مجرد طرح نظري إلى مشروع قابل للتنفيذ على أرض الواقع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.