صوراع النوبة حين يتحالف ورثة تجار الرقيق ووكلاء الجلابي في إرث دولة الاسترقاق ديالكتيك( عبد الفتاح و أردول).
بقلم - عمار نجم الدين
التاريخ في هذه الرقعة المأزومة لا يستقيم مسرى خطيا نحو الانعتاق بل هو فلك دائري يعيد إنتاج ذاته في صيرورة أبدية من العود الأبدي حيث المنظومات الاستعبادية الأولى لا تموت وإنما تغير جلودها وأقنعتها لتبعث من جديد متدثرة بعباءة الحداثة ومحتمية بشعارات وطنية جوفاء كأشياء بالية طال عليها البلى فلم تعد تستر عورة السلطة المركزية المستبدة.
المشهد الأخير في الحاج يوسف حيث يقف حفيد منظومة تجار الرقيق عبد الفتاح البرهان متظللا بطاقية البحارة الخواجات من هجير الشمس ليشهد صراع أطفال النوبة لم يكن مجرد فعالية ثقافية بل كان تجسيدا لآلية عمرها أكثر من قرنين بدأت منذ أن وطئت أقدام الغزاة الأتراك والمصريين أرض السودان بحثا عن الرجال والذهب ولم تنته بتحويل أشلاء أطفال الهامش إلى وقود لمعارك النخب المركزية. هذا المشهد يعيد إنتاج المنظومة التاريخية للجلابة ووكلاء الاسترقاق المحليين ليؤكد أن الدولة الحالية ليست سوى امتداد مشوه لزريبة الزبير باشا رحمة.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم يكن الزبير باشا مجرد تاجر بل كان مهندسا لمنظومة سلطوية تقوم على فرز البشر واصطيادهم في مناطق بحر الغزال والشلك والنوير والزاندي والدينكا وفي جبال النوبة. أقام الزبير زرائبه الشهيرة كمعسكرات تجميع بدائية يساق إليها الشباب والنساء والأطفال بعد الفصل عن قراهم المحترقة. وداخل هذه الزرائب كان يجري تشميع الهوية وإعادة صياغتها ليُربى الأطفال على الطاعة العمياء وعندما يشتد عودهم يُفرزون إلى مسارين إما الإلحاق بجيشه الخاص لغزو مناطق جديدة واسترقاق أهلهم أو الشحن كسلع عسكرية بشرية إلى أسواق الأستانة والقاهرة ليتحول من نجا منهم إلى نواة الجهادية.
وكانت المحطة الأبرز في هذه الرحلة هي منطقة الموردة في أم درمان التي سميت الموردة تاريخيا لأنها كانت المرفأ الرئيسي لتوريد وتجميع العبيد وفرزهم وتوزيعهم مقيدين من رقابهم في صفوف طويلة تنتظرهم مراكب الموت المتجهة شمالا. وتصف الأدبيات التاريخية أهوال تلك الرحلات النيلية حيث كان الرقيق يكدسون فوق بعضهم البعض في عنابر المراكب الضيقة ويموت نصفهم من الأوبئة قبل الوصول إلى مصبات المقايضة في القاهرة.
السردية التاريخية السائدة تحاول دائما إلقاء اللائمة بالكامل على التاجر الوافد لكن القراءة التفكيكية للوثائق الأوروبية وكتابات سلاطين باشا وجورج شوينفورث ورحلات الإيطالي رومولو جيسي تكشف عن حقيقة أكثر مرارة تمثلت في الوكلاء المحليين وتجار المغامرات أمثال عموري والبلاليط. فلم يكن هؤلاء ليخترقوا أحراش الجنوب وجبال النوبة لولا وجود زعماء قبائل ووكلاء محليين يصطادون أبناء جلدتهم نيابة عن تجار المركز مقابل البنادق أو الخرز أو الحفاظ على نفوذهم الزائف تماما كما ارتبطت ممرات القوافل تاريخيا بأسماء السلاطين الوكلاء مثل السلطان تمبورا في منطقة غرب بحر الغزال من قبيلة الفرتيت والسلطان كوكو في بعض مناطق الاستوائية والسلطان ريكا غبودوي في مناطق الزاندي.
هذه النفسية الانتهازية للوكيل المحلي هي الرابط الذي يفسر لنا الحاضر اليوم. عندما يظهر مبارك أردول بوجه مكشوف كأحد أبرز ورثة هؤلاء الوكلاء المحليين لتجار الرقيق فإنه يعكس النمط الأوضح للوريث الشرعي لتلك السيرة الانتهازية. ومعه شمس الدين كباشي وحسن كبرون فهؤلاء لا يحملون قضايا شعوبهم بقدر ما يمارسون الدور التاريخي ذاته لوكلاء الزريبة تحت ما يمكن تسميته بـ “الأبستمولوجيا الزرائبية” وهي المنظومة المعرفية المهيأة لتبرير الخنوع وإنتاج وظيفة الخادم الذاتي الذي يرى في استلاب أهله وسيلة وحيدة للترقي والاعتراف داخل مركز السلطة.
مبارك أردول في سعيه المحموم لإثبات الولاء للمركز وبفعل هذه الأبستمولوجيا الزرائبية يبرز كمهندس لعملية جمع أبناء النوبة وأطفالهم في ميادين الحاج يوسف. يجمعهم ليعرض أجسادهم وقوتهم البدنية أمام الجلابي الجديد مدعيا أن هذا العرض طقس من طقوس المثاقفة. لكن في العمق النفسي والسياسي لأردول هذا ليس احتفاء بالثقافة بل صك بيع صريح لأجساد هؤلاء الشباب وتحويلهم إلى خزان بشري للمعارك القادمة. جهادية العصر الحديث في مقايضة رخيصة مقابل المال والمناصب وفتات الموائد.
المشهد في الحاج يوسف يكثف قرونا من الفصل العنصري الممنهج. ففي وسط الميدان وتحت عين الشمس الحارقة يتصارع أطفال نوبيون لم يتجاوزوا العاشرة دهنت أجسادهم بالرماد ليقدموا عرضا قتاليا بدائيا. وفي المقابل يجلس البرهان مرتديا طاقية واقية مستظلا بظلال وارفة يرمي للأطفال ببضع جنيات لا قيمة لها مشجعا إياهم على مزيد من الصراع.
في عصر الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي لا يرى المركز في طفل الهامش طالبا في مختبر أو مهندسا مستقبليا بل يراه مقاتلا يتم إعداده عسكريا لخدمة حلم الجلابي في حكم السودان والاستئثار بموارده. وبينما يستمر هذا الاستعراض الفج لأجساد المستضعفين الذي يديره مبارك أردول وشركاؤه في هجير الخرطوم وشرق السودان يعيش أبناء النخبة الحاكمة وتجار الحروب الجدد في فلل القاهرة وشقق إسطنبول الأستانة الحديثة يتلقون أرقى أنواع التعليم ويستمتعون بحياة مستقرة.
إنها ذات المنظومة القديمة. الهامش يقدم الدم والجسد ليعيش في الزريبة والمركز يجني الثمار ليحكم من القصر. وطالما ظل الوكيل المحلي محكوما بوعي الزريبة ومستعدا لبيع دماء أهله مقابل منصب متوهم فإن دولة الزبير باشا لن تسقط بل ستستمر في إنتاج المآسي تحت مسميات جديدة.