لماذا يرتعبون من “عبد العزيز الحلو” ويستنجدون بـ “عبد العزيز آدم هارون”؟
بقلم - عمار نجم الدين
كيف يمكن لنفس الفاعل أن يكون قومياً في الصباح… وقبلياً في المساء؟
إن علة الأمم تسبق أعراضها، وما نكبة السودان إلا صراع مرير بين منطق “الغنيمة” الذي استباح الحمى، ومنطق “الدولة” الذي ينشد الخلاص. فالهجوم المسعور اليوم على اسم القائد “عبد العزيز الحلو” ليس مجرد لغو في الهوية، بل هو محاولة بائسة لإعادة الحركة الشعبية إلى “قفص القبيلة” الذي حطمته بمطرقة المشروع. إنهم يخشون الفكرة، فيحتمون بالاسم؛ ويرتعبون من الدولة، فيلوذون بالقبيلة.
لقد استدعى العقل المركزي “القبيلة” ليشرعن القسمة ويُحيل الوطن ضياعاً، وما زال يعيد إنتاج خيباته منذ لحظة 2017 حين رُميت الحركة بالعنصرية والانغلاق القومي. والعقل الذي لا يفهم منطق التنظيم، ليس له من حيلة إلا رجمها بالعنصرية. لكن المفارقة التي أربكت حساباتهم، هي أن الحركة خرجت من تلك المحنة بأقوى “منفستو” في تاريخها، وبقيادة رجل لا ينتمي عرقياً للقومية التي اتهمت الحركة بالانغلاق عليها. فرب محنة في طيها منحة، ورب سهم ارتد ليصيب كبد الرامي.
إن تعمد استدعاء الصيغة المركبة لاسم القائد —“عبد العزيز آدم هارون”— ليس تفصيلاً لغوياً عابراً، بل هو ممارسة دلالية خبيثة لترسيخ “لعبة الأسماء المحروقة”. والاسم عند العاجز قيد يكبل به الفكرة، وعند الحر جسر يعبر به نحو الدولة. هنا يهرب الخصوم من مواجهة “المشروع السياسي” (الحلو) إلى “الانتماء الإثني” (هارون)، في محاولة لتقزيم القائد وتأطيره داخل خريطة الأنساب. وهنا تبرز وظيفة “وكلاء الجلابي” الذين يقتاتون على اقتصاد الولاء؛ والجلابي هنا ليس شخصاً بل “وظيفة داخل بنية”، ومهمته تحويل الاسم إلى حجة ضد الفكرة. ومن باع ضميره بفتات الموائد، غرق في وحل التبعية وفقد شرف الموقف.
ويصل الانحدار الأخلاقي لهذا العقل إلى ممارسة “الابتزاز الإثني” ضد قيادة الحركة؛ فمتى ما احتاج المركز لتفكيك الجبهة الثورية نبش في الأصول واستنهض النعرات، مستخدماً في ذلك “الوكلاء المحليين”. والوكلاء المحليون ليسوا سلالة، بل وظيفة داخل بنية؛ أُعيد إنتاجها من تاريخ قديم إلى نظام حديث، حيث يتحول أبناء الهامش إلى وسطاء داخل منظومة لا يملكونها، بل تُعيد تشكيلهم لخدمتها. إن من شيّد دولة على جماجم العنصرية، لا يملك إلا أن يرى الوجود بعين العرق الآثمة. هؤلاء الوكلاء هم الأداة التي يستخدمها المركز لضرب تماسك الهامش؛ فبينما يتباكون على “الحقوق النوبية” في منابر الهجوم على الحركة، نجدهم أول من يبارك جرافات الهدم وهي تقتلع بيوت أهلهم في “الحزام الأسود” الخرطومي. إنهم يبتزون الحركة بالإثنية لأنهم عاجزون عن مقارعتها بالمنطق، متناسين أن دولتهم العنصرية التي بنوها بالدم والتمييز قد انهارت بالفعل فوق رؤوسهم، ولم تبق لهم إلا أطلال السرديات المهزومة.
الحقيقة أن القومية لديهم ليست مبدأ بل “قناع” لتوسيع السيطرة، بينما القبيلة هي “سوط” لكسر الهامش. فالقومية التي تختفي عند مطامع السلطة، ليست إلا تجارة خاسرة في سوق النخاسة السياسية. إن عبد العزيز الحلو لا يمثل في هذا السياق نفسه، بل يمثل إمكانية سودانية جديدة تُبنى فيها السياسة خارج شروط العرق. وليس الشرف بمحْض النسب، إنما الشرف بما قدمت يد المرء للمستضعفين. فالحلو هو كسر شرط القبيلة في القيادة، وهو الرد العملي على سيكولوجية المقهور التي تدافع عن أغلالها. ومن تعود العيش في جلباب السيد، ساءه أن يرى حراً يقود الركب نحو الخلاص.
إن مشروع السودان الجديد يعيد تعريف السلطة من امتياز إثني موروث إلى مسؤولية وطنية مكتسبة. فالبناء على صخر المبادئ يعلو، والبناء على رمل العصبية ينهوي. ولقد كشف هذا الصراع أن المشكلة ليست في من يتحدث باسم القومية، بل في من يملك “المهارة” لخلعها حين تدق ساعة المصالح الضيقة.
وختاماً، فإن الهجوم على “الحلو” ليس اعتراضاً على شخص، بل هو ذعر من فكرة الخروج من ضيق القبيلة إلى رحاب الدولة. وخير القول ما صدقه الفعل، وخير الأفعال ما شيّد وطناً لا قبيلة. وهنا تحديداً لا تنكشف الحركة الشعبية، بل ينكشف خصومها أمام مرآة التاريخ، كوكلاء لبنية تنهار، بينما يظل “الحلو” فكرة عصية على التجيير أو التزوير.
عمار .