Fajr Press

بيان اليونيسف .. اعتراف رسمي بامتحانات الشهادة السودانية.

متابعات - فجر برس

في تطور يحمل دلالات مهمة على صعيد مستقبل العملية التعليمية في السودان، جاء بيان منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بشأن امتحانات الشهادة السودانية التي أُجريت في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة السلام “تأسيس”، ليؤكد من جديد أن حق التعليم يظل حقًا أصيلًا لا يجوز مصادرته أو تقييده بسبب النزاعات السياسية أو العسكرية.

فالبيان الذي صدر عن المديرة الإقليمية لليونيسف في شرق وجنوب أفريقيا، إتليفا كاديلي، شدد على ضرورة تمكين الطلاب السودانيين من أداء الامتحانات الوطنية بغض النظر عن أماكن وجودهم، مؤكداً أن التعليم يجب أن يظل فضاءً محايداً بعيداً عن الانقسامات، وأن حصول الطلاب على شهادات معترف بها وطنياً يمثل حجر الأساس لاستكمال مسيرتهم التعليمية والانخراط في سوق العمل والمساهمة في إعادة بناء السودان بعد الحرب.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان منذ اندلاع النزاع المسلح، وما ترتب عليه من تعطيل واسع للعملية التعليمية في مناطق عديدة من البلاد، الأمر الذي حرم مئات الآلاف من الطلاب من حقهم الطبيعي في التعليم والامتحانات والانتقال إلى المراحل التعليمية الأعلى.

وتنص جميع المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة على أن التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان. فقد أكدت المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن لكل شخص الحق في التعليم، كما نص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على ضرورة إتاحة التعليم للجميع دون تمييز. كذلك شددت اتفاقية حقوق الطفل، التي تعد السودان طرفاً فيها، على التزام الدول بضمان حق الأطفال في التعليم واتخاذ التدابير اللازمة لضمان استمراره حتى في أوقات الأزمات والنزاعات.

ومن هذا المنطلق، فإن إجراء امتحانات الشهادة السودانية في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة السلام “تأسيس” يمثل خطوة عملية تهدف إلى حماية هذا الحق ومنع ضياع مستقبل آلاف الطلاب الذين وجدوا أنفسهم خارج دائرة الامتحانات لسنوات متتالية بسبب الظروف الأمنية والسياسية التي تعيشها البلاد.

ففي السابع من يونيو الجاري انطلقت الامتحانات في 83 مركزاً موزعة على ولايات دارفور وغرب وشمال كردفان، وجلس لها نحو عشرة آلاف طالب وطالبة، في محاولة لتوفير فرصة تعليمية طال انتظارها لشريحة واسعة من الشباب الذين تعطلت مسيرتهم الأكاديمية بسبب الحرب.

وتبرز أهمية هذه الخطوة في أنها جاءت استجابة لاحتياجات الطلاب الذين ظلوا يواجهون خطر فقدان سنوات من أعمارهم التعليمية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع الفجوة التعليمية بين الأجيال المتأثرة بالنزاع. كما أنها تنسجم مع الدعوة التي أطلقتها اليونيسف بضرورة توفير امتحانات معترف بها وطنياً لجميع الطلاب السودانيين داخل البلاد وخارجها، بما في ذلك اللاجئون في دول الجوار.

ويرى مراقبون أن بيان اليونيسف يحمل في مضمونه إقراراً بأهمية استمرار العملية التعليمية في جميع أنحاء السودان دون استثناء، ويؤكد أن المعيار الأساسي يجب أن يكون مصلحة الطالب وليس الاعتبارات السياسية أو الجغرافية. فالمنظمة الدولية ركزت على ضرورة الاتفاق على آليات عملية وآمنة تتيح إجراء الامتحانات بصورة متسقة في مختلف المناطق، وهو ما يعكس إدراكاً دولياً لخطورة حرمان الطلاب من هذا الاستحقاق التعليمي.

وفي المقابل، فإن استمرار حرمان أعداد كبيرة من الطلاب من الجلوس للامتحانات خلال السنوات الماضية يمثل تحدياً خطيراً لمستقبل البلاد. فالتقارير المتداولة تشير إلى أن أكثر من ربع مليون طالب وطالبة تأثروا بصورة مباشرة بتعطل الامتحانات وعدم تمكنهم من الجلوس للشهادة السودانية خلال فترات متعاقبة، الأمر الذي ألقى بظلاله على مستقبلهم الأكاديمي والمهني.

وتحذر المؤسسات الدولية المعنية بالتعليم من أن فقدان فرص التعليم لا يقتصر أثره على الفرد فحسب، بل يمتد ليؤثر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستقرار المجتمعي على المدى الطويل. ولذلك فإن أي مبادرة تسهم في إعادة الطلاب إلى مسارهم التعليمي الطبيعي تمثل استثماراً في مستقبل السودان بأكمله.

لقد أوضحت اليونيسف في بيانها أن الشهادات الوطنية المعترف بها ليست مجرد وثائق أكاديمية، وإنما أدوات تمنح الشباب فرصاً حقيقية لمواصلة التعليم العالي واكتساب المهارات والانخراط في سوق العمل. كما حذرت من أن تعدد أنظمة الشهادات أو تشتتها قد يخلق عقبات تستمر حتى بعد انتهاء الحرب، وهو تنبيه يعكس أهمية الحفاظ على وحدة النظام التعليمي السوداني وضمان وصوله إلى جميع الطلاب دون تمييز.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الرسالة الأساسية لبيان اليونيسف واضحة: التعليم حق لا يسقط بالحرب، والامتحانات ليست امتيازاً تمنحه السلطات متى شاءت، بل استحقاق أصيل يجب أن يتاح لكل طالب سوداني أينما كان. ومن هنا تبرز أهمية كل الجهود الرامية إلى تمكين الطلاب من أداء امتحاناتهم والحفاظ على حقهم في مستقبل أفضل، باعتبار أن حماية التعليم اليوم هي حماية لمستقبل السودان غداً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.