أجنحة تتشكل تحت النار .. المحاصصة تغير تركيبة الجيش في السودان.
متابعات - فجر برس
بينما تبدو الحرب في السودان صراعا مفتوحا على الأرض، فإن آثارها الأعمق قد تتشكل داخل المؤسسة العسكرية نفسها، حيث لا تُستنزف القدرات القتالية فقط، بل تتبدل موازين النفوذ والولاءات مع كل جولة قتال جديدة.
فالحروب الطويلة، كثيراً ما تعيد تشكيل الجيوش من الداخل، وتفتح أبواباً لصراعات مؤجلة تتجاوز خطوط النار المباشرة.
تحذيرات السفير الأمريكي السابق في الخرطوم ألبرتو فيرنانديز تسلط الضوء على هذا المسار المقلق، مع حديثه عن تقديرات تشير إلى أن نحو 30% من الضباط الجدد ينتمون إلى تيارات إسلامية.
وفي ظل استمرار الحرب، قد يجد الجيش نفسه أمام انقسام متصاعد بين جناح براغماتي يرى التسوية السياسية مخرجاً ضرورياً، وآخر عقائدي يتمسك بخيار المواجهة حتى النهاية، بما يحول معركة السودان من صراع على الدولة إلى صراع داخلها.
فلماذا يصر الجيش على خيار الحرب؟
يقول المحلل السياسي السوداني عثمان النجيمي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن أي تسوية لن تكون في صالح الحركة الإسلامية والتي تقف خلف الجيش، مما يدفعها إلى رفضها؛ مشيرًا إلى أنه لأجل ذلك اختار الجيش طريق الحرب، كونه الوحيد الذي يعيده إلى السلطة مرة أخرى.
وأوضح المحلل السياسي السوداني، أن أي هدنة سيرفضها الجيش، كونها سيعقبها تسوية ستأتي بغير الحركة الإسلامية، وبالتالي بنظام حكم مدني من شخصيات لا تنتمي للحركة الإسلامية، في سيناريو لن يرضي الجيش ولا تنظيم الإخوان الذي يقف خلفه.
الأمر نفسه، أشار إليه المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف قائلا في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن موقف الجيش من استمرار الحرب، يحركه تنظيم الإخوان المسلمين، الذي يسيطر على مكامن القرار سواء كان عسكرياً أو دبلوماسياً.
وأعرب عن تأييده لتصريحات السفير الأمريكي التي تحدثت بوضوح عن العلاقة بين الجيش الممنهج -أو الجيش الذي يعبر عن الحركة الإسلامية-، مشيرًا إلى أن الجيش هو الواجهة العسكرية للحركة الإسلامية، فيما الأخيرة هي الذراع السياسية بالنسبة للجيش.
فما أهداف من استمرار الحرب؟
يقول يوسف، إن الجيش لديه أهدافا في استمرار الحرب، أبرزها: عرقلة التحول المدني الديمقراطي، والدليل على ذلك انقلاب 25 أكتوبر 2021، ضد الحكومة الانتقالية بقيادة حمدوك، وما تلاه من إجراءات تتعلق بإعادة كوادر الإسلاميين إلى السلطة بعد أن أزالتهم لجنة إزالة تمكين 30 يونيو، وعودة الضباط المفصولين من خلال كشوفات لجنة إزالة التمكين.
ذلك التحول يؤكد عودة النظام البائد بأكمله، مما يدفع الجيش إلى الاستثمار في هذه الحرب وحتى نهايتها بعودته، وحرمان وتقزيم القوى المدنية لإبعادها عن المشهد، والإتيان بأخرى شاركته في الانقلاب وتتماهى معه، يضيف المحلل السياسي السوداني.
وأوضح، أن الجيش أربك بذلك السلوك، المشهد، عبر إدخاله عناصر من التيار الإسلامي في السودان.
بدوره، قال عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي والمحلل السياسي السوداني كمال كرار، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إنه رغم استحالة تحقيق النصر النهائي، فإن الجيش يتمترس خلف الحرب، كونها تتضمن أجندات اقتصادية ونهب وفساد واستمرار حالة اللا دولة.
لكن.. كيف غيّرت الحرب تركيبة الجيش؟ وهل أصبح أكثر أيديولوجية؟
يقول المحلل السياسي السوداني عثمان النجيمي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن الجيش بات بنسبة 100% من قياداته -بدءا من ضابط برتبة ملازم إلى فريق- ينتمون للحركة الإسلامية، مشيرًا إلى أن غير الإسلاميين فقط هم الجنود الذين ليس لديهم أي رتبة عسكرية.
وأكد المحلل السياسي السوداني، تصفية كل قيادات الجيش غير المنتمية للحركة الإسلامية خلال الـ35 عاماً الماضية بما يسمى «النظام العام»؛ بإحالتهم إلى التقاعد.
وكان السفير الأمريكي السابق في الخرطوم ألبرتو فيرنانديز، قال إن نحو 30% من الضباط الجدد ينتمون إلى تيارات إسلامية وخاصة الإخوان، مع نفوذ متجذر لقيادات مرتبطة بالنظام السابق.
وأشار إلى أن هذا التغلغل يخلق معضلة سياسية وعسكرية في آن واحد، خصوصًا مع إدراج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لعدد من الكيانات والشخصيات المرتبطة بهذه التيارات ضمن قوائم العقوبات.
بدوره، أكد المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف، «تصفية عدد كبير جداً من الضباط الذين لا ينتمون للحركة الإسلامية، ومن الذين ينتمون لقبائل تدين بالولاء لقوات الدعم السريع»، مشيرًا إلى أن قيادات الصف الأول جميعا باتت من الحركة الإسلامية.
ولفت إلى تسليح الجيش لمليشيات البراء بن مالك والطيارون وغيرهم من التركيبات أو التشكيلات الإسلامية أو الدفاع الشعبي الذي تم تشكيله على شكل أيدولوجي في تسعينيات القرن الماضي، فباتوا يديروا منظومة الطيران المسير، ولديهم مدفعية بمستوى عال؛ بشكلهم جعل منهم جيوشا موازية للجيش، في سيناريو يعد الأخطر من نوعه.
وحذر من أن انتماء قيادات الصفوف الثلاثة الأولى للحركة الإسلامية، قد يخلق صداما داخل أجنحة الجيش، مما يشكل خطرا كبيرا على السودان.
في السياق نفسه، قال عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي والمحلل السياسي السوداني كمال كرار، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن نفوذ الاسلاميين متعمق داخل الجيش، فطوال فترة حكمهم حرصوا على فصل الضباط غير الموالين وتعيين منسوبيهم.
وأوضح أن الحركة الإسلامية، تعتبر الحرب نفسها طريقا للعودة إلى السلطة، لكنهم فشلوا حتى الآن في تكريس الأمر الواقع مع تنامي رفض الحرب والحراك الجماهيري الواسع والوعي بضرورة إبعاد الجيش من الحكم.
وأشار إلى أنه إذا توقفت الحرب فهذا سيعني نهاية وجود الجيش في الحكم، وهيكلته بما يضمن عدم تسييسه، ولمنع ذلك السيناريو تدفع تلك الأطراف نحو استمرار الحرب، لأنها تعي أن نهاية الصراع واليوم التالي له سيكون في صالح الدولة المدنية وليس حكم العسكر أو الإسلاميين.
استمرار الحرب.. معضلة كبيرة.
نقطة أخرى لفت المحلل السياسي السوداني النجمي عثمان، الانتباه إليها، مشيرًا إلى أنه حال استمرار الحرب، سيواجه الجيش مشكلة أخرى؛ فلديه تيارات كثيرة جداً داخله، أبرزها:
التيارات داخل الحركة الإسلامية نفسها من ضباط، الذين تختلف انتماءاتهم تلك التيارات، حال استمرار الحرب، قد تصارع بعضها البعض لنيل أكبر حجم من السلطة والتمثيل، بحسب النجمي عثمان، الذي طالب أمريكا بمنع أي إمداد عسكري للحركة الإسلامية، خاصة بعد العقوبات الأخيرة وتصنيف «الإخوان المسلمين» جماعة إرهابية.
فهل يظهر داخل الجيش لاحقًا جناح براغماتي يريد التسوية، وآخر عقائدي يرفضها؟
يقول سيبويه يوسف، إن هناك مخاوف من «السيناريو الكبير الخطير»، عندما تصطدم هذه الميليشيات ببعضها، مؤكدًا ضرورة أن يكون هنالك عملية إرادة داخل قيادات في الجيش، تمكنها من عملية تغيير ناعمة، وإبطال «القنابل المتفجرة» داخل المؤسسة العسكرية.
وتوقع المحلل السوداني سيبويه يوسف، أن يتمكن عدد من الضباط من خلق حراك متوازن، يعيد توليفة الجيش السوداني.
نقلا عن العين الاخبارية