بينما تدخل الحرب في السودان عامها الرابع، مثقلةً بأرقام تضعها في صدارة الكوارث الإنسانية المعاصرة، يبرز تساؤلٌ جوهري حول الدوافع الكامنة وراء استعصاء الحل العسكري وغياب الإرادة السياسية.
في قراءة تحليلية معمّقة، لخّص السفير الأمريكي الأسبق لدى الخرطوم، ألبرتو فيرنانديز، المشهد بوصفه صراعاً يتجاوز جغرافيا الأرض ليمسّ هوية المؤسسة العسكرية ذاتها، محذراً من تجاهل دولي يغذّي مأساةً يتداخل فيها الانهيار المعيشي بالارتهان الأيديولوجي.
ترسم الإحصائيات صورة جنائزية مرعبة لمستقبل السودان؛ فبحلول عام 2026، يُتوقع أن يرزح نحو 33.7 مليون سوداني تحت وطأة الحاجة الماسة إلى المساعدات، فضلاً عن تهجير قسري طال قرابة 14 مليون إنسان.
ورغم فداحة هذه الكلفة البشرية، يلحظ المراقبون انزياح الأزمة السودانية عن رادار الاهتمام العالمي، لصالح صراعات جيوسياسية أخرى. وهذا الخفوت الدولي لم يترك السودان في عزلة فحسب، بل منح الأطراف المتصارعة ضوءاً أخضر ضمنياً للمضيّ في حرب الاستنزاف الشاملة.
غير أن جوهر الأزمة، كما يفككه فيرنانديز، لا يكمن في جبهات القتال بقدر ما يكمن في غرف القرار داخل المؤسسة العسكرية؛ إذ يقبع اختراق أيديولوجي بنيوي تمثّله الحركة الإسلامية السودانية، الفرع السوداني لجماعة الإخوان المسلمين، التي تمسك بزمام التوجيه الاستراتيجي داخل الجيش.
وهذا التغلغل الإخواني ليس مجرد حضور ظرفي فرضته الحرب، بل كتلة صلبة تمكّنت في مفاصل قيادة الجيش، وأعادت تعريف العقيدة العسكرية وفق حسابات بقاء التنظيم لا وفق مصلحة الدولة.
في ظل هذا الواقع، لم يعد السلام في السودان مجرد خيار سياسي معطل، بل غدا تهديداً وجودياً لمراكز القوى المتجذرة.
فأي تسوية سياسية جادة ستستلزم حتماً إصلاحاً أمنياً وعسكرياً شاملاً، يعني تفكيك شبكات النفوذ الأيديولوجي وإعادة الجيش إلى مهنيته الخالصة. لذا تجد هذه التيارات في استمرار دوي المدافع وسيلتها الوحيدة لتأجيل استحقاقات التغيير، والحفاظ على تموضعها داخل مفاصل الدولة، ولو كان الثمن تمزيق النسيج الوطني وانهيار المؤسسات.
وتتجلى المفارقة المؤلمة في تحوّل المؤسسة المنوط بها صون السيادة إلى رهينة لأجندات حزبية ضيقة. فبغير ضغط دولي حازم يتجاوز لغة المناشدات، وبغير حراك وطني يرمي إلى تحرير الإرادة العسكرية من الاختطاف الأيديولوجي، سيفلت السودان من مدارات الدولة، ليدخل حقبة من التيه السياسي والدمار المستدام.
إن استعادة الجيش من مختطفيه هي الخطوة الأولى، بل الوحيدة، نحو سلام حقيقي لا يحتمل التأجيل.