في ظل الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، تتزايد المؤشرات على دخول الفاعلين الإقليميين بثقل أكبر في محاولة إعادة رسم المشهد السياسي. وفي هذا السياق، برزت تحركات تقودها المملكة العربية السعودية تهدف إلى بلورة حاضنة سياسية جديدة موازية للتحولات الميدانية، بما يفتح الباب أمام صيغة مختلفة لإدارة الأزمة.
تشير المعطيات إلى أن الرياض دعت شخصيات مدنية بارزة، من بينها عمر الدقير وبابكر فيصل والواثق البرير، في محاولة لاستكشاف إمكانية تشكيل كتلة مدنية جديدة تكون أكثر انسجاماً مع موازين القوى الحالية. ويبدو أن هذا التوجه يسعى إلى تجاوز حالة التشظي التي أصابت القوى المدنية منذ سقوط نظام عمر البشير، والتي تفاقمت بعد اندلاع الحرب.
التحرك السعودي يعكس إدراكاً متزايداً بأن الصيغ السياسية السابقة، وعلى رأسها تحالفات قوى الحرية والتغيير، لم تعد قادرة على لعب دور جامع أو مؤثر. كما أن حالة الاستقطاب الحاد بين المكونات المدنية، إضافة إلى ضعف التنسيق بينها، خلقت فراغاً سياسياً تسعى قوى إقليمية إلى ملئه عبر دعم تيار “مدني واقعي” يتعامل مع الأمر الواقع بدلاً من مواجهته.
في هذا الإطار، تظهر ملامح توجه لإعادة ترتيب التحالفات بعيداً عن التيارات المرتبطة بالنظام السابق، مع الحفاظ على توازن دقيق يضمن عدم عودة الإسلاميين إلى واجهة المشهد، وفي الوقت نفسه يمنع انهيار مؤسسات الدولة. ويُفهم من ذلك أن الهدف ليس فقط إنهاء الحرب، بل أيضاً صياغة مرحلة انتقالية مختلفة أكثر قابلية للاستمرار.
إحدى أبرز ملامح هذه التحركات هي القبول الضمني ببقاء البرهان ضمن معادلة الحكم خلال المرحلة القادمة. هذا التوجه يستند إلى عدة اعتبارات، من بينها سيطرة الجيش على مفاصل الدولة، وامتلاكه شرعية مؤسساتية لا تزال قائمة، إضافة إلى كونه طرفاً يمكن التفاوض معه ضمن ترتيبات إقليمية ودولية.
غير أن هذا الخيار لا يخلو من تعقيدات، إذ تواجه أي صيغة تُبقي على البرهان رفضاً من قطاعات مدنية واسعة ترى في قيادته امتداداً للانقلاب على المسار الديمقراطي في 2021. كما أن دعمه من قبل حاضنة مدنية جديدة قد يعمق الانقسام داخل الساحة السياسية بدلاً من معالجته.
تمتد التحركات أيضاً إلى حزب الأمة القومي، في محاولة لإعادة توحيده بعد سنوات من الانقسامات. ويُنظر إلى الحزب باعتباره أحد الأعمدة التاريخية للعمل السياسي في السودان، وقادراً – نظرياً – على لعب دور توافقي بين القوى المختلفة.
لكن واقع الحزب يعكس تحديات كبيرة، أبرزها الانقسامات التنظيمية وتراجع تأثيره الشعبي مقارنة بالماضي. وبالتالي، فإن نجاح هذا الرهان يتوقف على قدرة قياداته على تجاوز الخلافات الداخلية واستعادة موقعه كفاعل سياسي مؤثر.
هناك سيناريوهات محتملة لمسار الحرب، وفي ضوء هذه التحركات، يمكن رسم عدة سيناريوهات لمستقبل الصراع في السودان: قد تنجح الجهود السعودية في خلق حاضنة مدنية جديدة تدعم اتفاقاً مرحلياً بين الجيش وبعض القوى السياسية، مع استبعاد أو تحجيم دور قوات الدعم السريع. في هذا السيناريو، يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار هش، وتشكيل سلطة انتقالية بقيادة مختلطة، غير أن هذا المسار يظل عرضة للانهيار بسبب غياب توافق شامل، واستمرار التوترات الأمنية.
قد تفشل الحوارات في تحقيق اختراق حقيقي، ما يؤدي إلى استمرار الحرب دون حسم. في هذه الحالة، تتعدد المبادرات الإقليمية والدولية دون تنسيق فعال، بينما تتدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية.
هذا السيناريو هو الأقرب في حال استمرار الانقسام بين القوى المدنية والعسكرية.
إذا تمكن أحد الطرفين، وخاصة الجيش، من تحقيق تفوق ميداني واضح، فقد يفرض واقعاً سياسياً جديداً بالقوة، مدعوماً بحاضنة مدنية محدودة، ولكن هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة، منها اندلاع تمردات جديدة أو انتقال الصراع إلى أشكال غير تقليدية.
في حال فشل جميع المبادرات واستمرار الحرب لفترة طويلة، قد تتجه البلاد نحو تفكك مؤسسات الدولة، مع سيطرة قوى محلية أو جهوية على مناطق مختلفة، وهذا السيناريو يمثل الخطر الأكبر، ليس فقط على السودان، بل على الإقليم بأسره.
تواجه هذه التحركات جملة من التحديات، أبرزها فقدان الثقة بين الأطراف، وتضارب المصالح الإقليمية، وتعقيد المشهد العسكري. كما أن أي تسوية لا تشمل معالجة جذور الأزمة – وعلى رأسها العلاقة بين المدنيين والعسكر – قد تعيد إنتاج الصراع في شكل جديد.
تعكس التحركات السعودية محاولة جادة لإعادة ضبط المسار السياسي في السودان، لكنها تظل رهينة بمدى استعداد الأطراف السودانية لتقديم تنازلات حقيقية. وبين فرص التوافق ومخاطر الانقسام، يقف السودان عند مفترق طرق حاسم، حيث لن يكون كافياً إعادة ترتيب التحالفات، بل يتطلب الأمر رؤية شاملة تعالج جذور الأزمة وتؤسس لاستقرار طويل الأمد.