Fajr Press

 وحدة القوى المدنية… الضرورة القصوى..!

بقلم - مجاهد عبدالله

تلقيتُ قبل أيام دعوة من التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)، مكتب أوغندا، وبالتنسيق مع مركز طيبة برس، للمشاركة في حلقة نقاشية عُقدت يوم امس الاثنين 27 أبريل 2026 بمركز طيبة برس بكمبالا.. تحت عنوان: وحدة القوى المدنية… ضرورة ما بعد مؤتمر برلين.. الجلسة دعي لها سياسيون وصحفيون وناشطون، وقد أعددتُ لهذه المناسبة ورقة بعنوان: وحدة القوى المدنية… الضرورة القصوى..!.
وفي تقديري هذا الموضوع لا يحتمل السطحية أو الاكتفاء بالحديث الإنشائي، وانما يتطلب نقاشا عميقا قائما على العصف الذهني الجاد، كما يستوجب فتح المجال أمام مختلف الآراء للإسهام فيه، والاستمرار في تداوله دون انقطاع.. ذلك لأن تشتت القوى المدنية والسياسية وتبعثرها لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب، ويعمّق من تعقيدات المشهد الوطني.
وحتى في حال توقّف الحرب، فإن غياب وحدة حقيقية قائمة على رؤى مشتركة ومفاهيم واضحة ومشروع وطني جامع، سيقود البلاد إلى دوامة جديدة من الخلافات، بما يهدد الاستقرار السياسي ويقوّض فرص بناء دولة مستقرة.
وعليه، فإن وحدة القوى المدنية ليست خيارا ثانويا، ولكنها تمثل ضرورة قصوى تفرض تحركا عاجلا وجادا لإنجازها، باعتبارها المدخل الأساسي لأي مسار نحو السلام والاستقرار.
وفيما يلي نص الورقة التي شاركت بها في الحلقة النقاشية:

*مدخل:
بعد أن دخلت حرب السودان عامها الرابع، يخيل إليّ أن الأفق يكاد يخلو من أي بارقة أمل؛ فالقتال ما يزال مستمرا بين الجيش وقوات الدعم السريع، دون ان نلمس اي تحركات جدية تشعرنا بنهاية قريبة لهذا الصراع الذي أنهك البلاد واستنزف مقدراتها.
وفي خضم هذه المأساة، لا تزال القوى السياسية متباعدة، عاجزة عن تجاوز خلافاتها، رغم ما حلّ بالوطن من دمار وما يكابده المواطن من معاناة يومية.. وكأن فداحة الكارثة لم تكن كافية لتقريب المسافات بينها، أو دفعها نحو موقف وطني جامع.
لقد أصبحت البلاد تقف على مفترق طرق، وتعيش حالة من الانقسام غير المسبوق، تجلت بوضوح في قيام سلطة موازية في نيالا في مقابل حكومة بورتسودان، في مشهد يعكس عمق الأزمة ويُنذر بمآلات خطيرة قد تهدد وحدة الدولة نفسها.
ومع ذلك، ما نزال ننتظر الخارج ليتدخل ويجمعنا ويقودنا إلى مخرج، رغم إدراكنا العميق أن الحلول القادمة من خارج إرادتنا الوطنية لن تكون في صالحنا، وأنها، في أحسن الأحوال، لن تصمد طويلاً أمام تعقيدات الواقع السوداني وتشابكاته.
إنها مفارقة مؤلمة؛ أن نُسلّم بعجز الحلول الخارجية، ثم نظل مع ذلك نعلّق عليها آمالنا، بدل أن نتجه إلى أنفسنا بحثا عن مخرج نصنعه بإرادتنا الحرة.
لكن في نفس الوقت يجب التأكيد على أهمية تنظيم مثل هذه الحوارات والنقاشات بصورة مستمرة بين السودانيين..فهي السبيل الوحيد لفتح الباب اما الحلول، وأرى أن كتلة “صمود” تقع على عاتقها مسؤولية تاريخية وأخلاقية في هذه المرحلة الحرجة، وذلك بالسعي الجاد لتوحيد السودانيين حول مشروع وطني يُخرج البلاد من أزمتها. وفي تقديري، يُعد تيار “صمود” من أكثر التيارات المدنية تأهيلا للقيام بهذا الدور، بخلاف أطراف أخرى انحازت بشكل واضح لأطراف الصراع، مما أفقدها ثقة الاخرين بها، رغم وجود قوى لديها مواقف واضحة من الحرب.. لكنها لاسباب كثيرة لاتستطيع التحرك بفاعلية مثل (صمود).
عنوان الحلقة النقاشية..قراءة أخرى:
عنوان الحلقة هو: “وحدة القوى المدنية .. ضرورة مابعد مؤتمر برلين”. لكن لماذا بعد مؤتمر برلين تحديدا؟ هل يُفهم من ذلك أن المؤتمر يمثل نقطة التحول التي ستقود إلى السلام؟ ولماذا لم تُطرح هذه الضرورة عقب إعلان “الرباعية”، الذي أرى أنه شخّص مشكلة السودان ووضع خارطة طريق وحلولا أوضح من إعلان “الخماسية” في برلين؟.. تعدد المنابر هذا لن يكون في مصلحة القضية وهو برايي (تشتيت للكورة).. ويعكس عن خلافات وتجاذبات بين الاطراف الدولية في المشكلة السودانية.. ولذلك في تقديري، يجب أن يكون توحيد القوى المدنية هدفا دائما، لا مرتبطا بحدث بعينه. فالسعي نحو هذه الوحدة ينبغي أن يكون مستمرا وجادا، لأنه بدونها قد لا يبقى لنا وطن لنتحدث عنه.. كما يجب أن يكون هذا السعي نابعا من إرادة وطنية خالصة، بعيدا عن الأجندات الخارجية التي كثيرا ما تتدخل بشكل واضح في الشأن السوداني، إما بدافع المصالح أو نتيجة لاعتقادها بعجز السودانيين عن إيجاد حلول.
إن التعويل على الحلول الخارجية لن يؤدي إلا إلى معالجات مؤقتة، سرعان ما تنهار أمام تعقيدات الأزمة السودانية، مما يعيد إنتاج الصراع من جديد. لذا، يجب ألا نقبل بفرض أجندات خارجية، وأن نقلل من الاعتماد على الخارج، لأن مصالح هذه القوى لا تتطابق بالضرورة مع مصالح الشعب السوداني.
ضرورات المرحلة:
تتطلب هذه المرحلة “الحرجة” إطلاق حوار سوداني شامل لا يُقصي أحدا، إلا من ثبت تورطه في الفساد أو الجرائم.. ويجب تهيئة بيئة سياسية ملائمة لهذا الحوار، دون استعجال النتائج، على أن يقتصر دور الوسطاء على التيسير.
كما ينبغي الاتفاق على أن بناء السودان لا يتم بالإقصاء أو احتكار السلطة، بل عبر انفتاح المجال السياسي أمام الجميع، بمختلف اقاليمهم وأديانهم وأعراقهم وانتماءاتهم.. فالأزمة السودانية لا تُحل بالاستقطاب،وانما بالحوار الصريح والبحث عن أرضية مشتركة لمعالجة جذورها.
ومن الضروري أيضا رفض الارتهان للخارج، والتمسك بأن يكون الحل سودانيا خالصا في مرجعيته وقيادته وأهدافه.
*ملاحظات حول مؤتمر برلين:
بغض النظر عن الآراء المشككة، يمكن القول إن الإعلان المشترك الصادر عن القوى المدنية المشاركة في مؤتمر برلين كان إيجابيا في مجمله، ويمكن اعتباره إعلان مبادئ متفقا عليه من القوى المشاركة ، خاصة مع تأكيده المتكرر على أن الحل يجب أن يكون سودانيا.
كما أن فتح الباب أمام جميع القوى المدنية سواء المشاركة أو غير المشاركة للانخراط في أي حوار قادم، يُعد خطوة مطمئنة.. وهذا نلحظه بصورة واضحة في تاكيده على ان يكون حل الازمة بملكية سودانية.
المؤتمر بلاشك جعل ازمة السودان حاضرة في الاجندة الدولية رغم مايحدث من صراع في الشرق الاوسط، الى جانب حشده للمساعدات الانسانية التي نأمل ان تتحقق.
غير أن المؤتمر شابه خطأ إجرائي واضح و”فاضح” تمثل في الانتقائية في توجيه الدعوات، حيث وُجهت لعدد كبير من المشاركين بصفاتهم الشخصية بدلا صفاتهم الاعتبارية ، و(الانكى) استبعاد قوى سياسية مؤثرة من المشاركة .. وقد أدى ذلك إلى إثارة الشكوك حول أهداف المؤتمر، خاصة مع تداول معلومات تفيد بأن الإعلان المشترك كان معدا مسبقا.
هذه الانتقائية تُعد تدخلا غير مقبول في الشأن السوداني، وتسهم في تعميق الانقسام وفقدان الثقة بين القوى المدنية.. وإذا استمر هذا النهج، فإنه سيعيق أي جهود حقيقية لتوحيد الصف، بل وقد يؤدي إلى هندسة المشهد السياسي بشكل يخدم أجندات خارجية.
لذلك، ينبغي على القوى المدنية، خاصة “صمود”، أن تتصدى لهذه التدخلات، وتؤكد أن أي عملية سياسية يجب أن تكون سودانية خالصة، وأن يقتصر دور الأطراف الدولية على “التسهيل والتيسير”.
ماهية القوى المدنية؟:
القوى المدنية السودانية المناهضة للحرب متعددة ومتنوعـة، ولا ينبغي التشكيك في وطنية أي منها ما دامت ترفض الحرب.. لكن غياب التنسيق بينها يجعل جهودها محدودة التأثير.
ولا ينبغي حصر القوى المدنية في الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني فقط، إذ أفرزت الحرب كيانات جديدة مؤثرة، مثل الطرق الصوفية والإدارات الأهلية، التي لعبت أدوارا مهمة خلال النزاع..وفي تقديري يجب توسيع مفهوم القوى المدنية ليشمل الجميع لان ه ومن الضروري إشراك هذه الكيانات، إلى جانب الشباب والنساء، حتى لا تُترك عرضة للاستغلال من قبل القوى العسكرية.
ولا يمكن إغفال الدور الحيوي الذي يمكن أن يلعبه السودانيون في المهجر، الذين يمتلكون إمكانيات كبيرة على المستويين المالي والمعرفي، فضلا عن قدرتهم على التأثير في الرأي العام الدولي.. ومن المهم إدماجهم ضمن رؤية الجبهة المدنية كفاعل أساسي، لا كمجرد داعم من الخارج.
ما الذي نحتاجه الآن؟:
نحن بحاجة إلى مسارين متوازيين:
الأول: بناء جبهة مدنية عريضة (الكتلة الحرجة) تضم مختلف الفاعلين من قوى سياسية ونقابية ومجتمعية (الإدارات الأهلية، الطرق الصوفية، إلى جانب معاشيي الخدمة المدنية والعسكرية وسكان الريف)، بهدف وقف الحرب، مع العمل في الوقت ذاته على القيام بمبادرات خدمية ميدانية في مجالات الإغاثة والتعليم والصحة، باعتبار أن العمل الميداني المشترك يُعد من أكثر الوسائل فعالية في بناء الثقة بين المكونات المختلفة.. وهذه برايي احدى الاليات العملية والناجحة.
الثاني: تشكيل كتلة سياسية تتولى إدارة الحوار حول مستقبل البلاد بعد الحرب، على أن تلتزم هذه الكتلة بمشروع وطني (حد أدنى)، يقوم على تأجيل الخلافات السياسية والبرامج الحزبية إلى ما بعد المرحلة الانتقالية.
التحديات التي ستواجه بناء الجبهة المدنية وتوحيد القوى السياسية:
أولا، تظل الحرب المشتعلة هي التحدي الأكبر أمام أي جهد يستهدف بناء جبهة مدنية عريضة. فاستمرار القتال لا يقتصر أثره على استنزاف الموارد وتفاقم المعاناة الإنسانية فحسب، وانما يخلق بيئة معادية للعمل السياسي والمدني، ويحدّ من فرص التواصل وبناء الثقة بين الفاعلين.. وعليه، فإن وقف الحرب يمثل شرطا موضوعيا ممهدا لنجاح بناء الجبهة المدنية، ومع ذلك، لا ينبغي أن يُفهم هذا التحدي كذريعة لتعطيل العمل، ولكنه في تقديري على العكس، يفرض ضرورة مضاعفة الجهود وتطوير الآليات التي تُمكّن من بناء الجبهة المدنية بالتوازي مع السعي لوقف الحرب، باعتبار أن قيام هذه الجبهة في حد ذاته قد يُسهم في تسريع وتيرة إنهاء الصراع.
ثانيا، يبرز دور المؤسسة العسكرية كأحد أبرز التحديات أمام توحيد القوى المدنية والسياسية.. فقد اثبتت التجارب أن الجيش ظل حاضرا في المجال السياسي منذ الاستقلال وله نزوع واضح نحو الاحتفاظ بالسلطة أو التأثير المباشر في مساراتها.. وهو ما يفرض على القوى السياسية التحرك العاجل نحو التوافق على مشروع وطني جامع، يُحصّن العملية السياسية من التدخلات العسكرية، ويُغلق الطريق أمام أي محاولات لاحتكار الجيش للسلطة أو الالتفاف على الإرادة المدنية.
ثالثا، هناك ايضا تحدي كبير وهو يكمن في حالة التشتت والتباعد التي تعاني منها القوى المدنية والسياسية، والتي توزعت بين تحالفات ومواقف متباينة، بل ومتناقضة أحيانا.. هذا الشتات لا يعكس فقط اختلافات في الرؤى، بل يعكس أيضا أزمة ثقة عميقة تحتاج إلى جهد صادق ومثابر لمعالجتها.. وهنا تبرز مسؤولية القوى الفاعلة، وعلى رأسها “صمود”، في السعي الجاد إلى لملمة هذا التشتت عبر فتح قنوات التواصل مع جميع الأطراف، دون استثناء. ورغم أن إقناع هذه القوى بالانخراط في مشروع موحد قد لا يكون يسيرا، إلا أنه يظل ممكنا إذا ما توفرت الإرادة السياسية، وترافق ذلك مع ضغط مستمر لوقف الحرب، بما يهيئ بيئة أكثر ملاءمة للتقارب ويجعل ما يبدو صعبا اليوم أقرب إلى التحقيق.
إن مواجهة هذه التحديات، على تعقيدها، تظل ممكنة إذا ما توفرت رؤية واضحة، وإرادة وطنية صلبة، تدرك أن وحدة القوى المدنية اصبحت ضرورة قصوى لا تحتمل التأجيل.
آليات بناء الجبهة المدنية:
الالية الاولى والاكثر فاعلية هي الحوار فلتكن البداية بإطلاق حوار مباشر مع مختلف القوى، خاصة الإدارات الأهلية والطرق الصوفية لفهم هواجسها وضمان مصالحها.
تنظيم ورش عمل ومؤتمرات للتوصل إلى وثيقة مشتركة لوقف الحرب وبناء السلام.
إشراك الخبراء والأكاديميين في تحليل الأزمة ووضع حلول مستدامة، بدلا من احتكار السياسيين للعملية.
إلى جانب الآليات التقليدية، يمكن تبني أدوات أكثر (نجاعة)، من بينها:
إنشاء منصة رقمية موحدة للقوى المدنية، تُستخدم لتنسيق المواقف، وإجراء نقاشات مفتوحة، وصياغة الوثائق بشكل شفاف، بما يقلل من الشكوك المرتبطة بالاتفاقات غير المعلنة.
اعتماد منهج “دوائر الثقة المصغرة”، عبر تشكيل مجموعات صغيرة تضم أطرافا مختلفة، تعمل على بناء الثقة تدريجيا، قبل الانتقال إلى مستويات أوسع من التنسيق.
تأسيس مجالس مدنية موازية (برلمانات ظل) تمثل مختلف الأقاليم، وتعمل على إنتاج رؤى وسياسات تعكس تطلعات المواطنين، مما يعزز الشعور بوجود بديل مدني حقيقي.
إطلاق مؤتمرات قاعدية في المدن والأقاليم، لضمان مشاركة المجتمعات المحلية في صياغة الحلول، وعدم حصر العملية السياسية في النخب.
توظيف الفنون والثقافة كأداة لتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، ومواجهة خطاب الكراهية والاستقطاب.
وحدة القوى السياسية لماذا؟
يجب التمييز بين دور القوى السياسية ودور بقية المكونات المدنية. فالقوى السياسية هي المعنية بإدارة العملية السياسية، بينما تساهم بقية الكيانات في دعم الجبهة المدنية دون الانخراط المباشر في العمل السياسي، حفاظا على استقلاليتها.
إن توحيد القوى السياسية على مشروع وطني ليس أمرا معقدا، وتحقيقه يجب ان يكون عبر التوافق لا الاتفاق..فكلمة التوافق تناسب المرحلة، مع تأجيل البرامج الحزبية إلى ما بعد المرحلة الانتقالية والانتخابات.
وقد أظهرت تجربة الفترة الانتقالية بعد ثورة ديسمبر أن محاولة بعض القوى فرض برامجها أدت إلى اضطراب المشهد، وساهمت في إضعاف الحكومة الانتقالية، مما مهد الطريق للانقلاب.
خاتمة:
رغم أن هذه الفكرة جاءت متأخرة، إلا انه (ان تاتي متاخرا خير من ان لاتاتي كما يقول المثل) فيجب توحيد القوى السياسية وبناء جبهة مدنية واسعة لوقف الحرب.. كما ينبغي التعلم من أخطاء الماضي، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، حتى نتمكن من إنقاذ السودان من الانقسام والتشرذم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.