منذ اندلاع الحرب في السودان وانهيار مؤسسات الدولة في عددٍ واسع من المناطق، برزت غرف الطوارئ الإنسانية كإحدى أهم تجارب التنظيم المجتمعي التي شهدها السودان في تاريخه الحديث.
ففي ظل الفراغ الإداري والخدمي، تمكنت مجموعات من الشباب والمتطوعين من تأسيس شبكات إنسانية وخدمية أدّت أدوارًا حيوية في الإغاثة والإجلاء وتوفير الغذاء والعلاج والدعم الإنساني لآلاف المواطنين، في مناطق غابت عنها مؤسسات الدولة بصورة شبه كاملة.
لقد مثّلت هذه التجربة نموذجًا لقدرة المجتمع على تنظيم نفسه ومواجهة آثار الانهيار في الظروف الاستثنائية، غير أنّ غرف الطوارئ، بوصفها تجربة بشرية، ليست بمنأى عن النقد أو المراجعة.
فاستمرارها ونجاحها على المدى الطويل يقتضيان تطويرًا مستمرًا في البنية التنظيمية وآليات العمل ومستوى الشفافية، لا سيما فيما يتعلق بعلاقتها بالسلطات القائمة وطبيعة الإطار القانوني الذي ينظم نشاطها.
في المرحلة الأولى من الحرب، كانت الظروف استثنائية بكل المقاييس؛ إذ لم تكن هناك سلطة مستقرة أو مؤسسات قادرة على إدارة العمل الإنساني، الأمر الذي جعل كثيرًا من آليات العمل تنشأ بصورة عفوية، وسط غياب نسبي للرقابة والمساءلة والتنظيم الداخلي الواضح.
غير أن المشهد اليوم يشهد تحولات مختلفة مع ظهور سلطات أمر واقع تدير بعض المناطق، وهو ما يفرض الانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مرحلة أكثر تنظيمًا، تقوم على تنسيق واضح بين غرف الطوارئ والسلطات المحلية، ضمن إطار قانوني يحدد طبيعة العلاقة بين الطرفين، مع الحفاظ على استقلالية العمل الإنساني وحياده.
هذه التحولات ليست جديدة في تجارب الدول الخارجة من النزاعات. ففي سوريا، على سبيل المثال، ظهرت شبكات إغاثية ومجالس محلية خلال فترات غياب الدولة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى منظمات مجتمع مدني أكثر تنظيمًا مع تغيّر الظروف السياسية.
وفي جنوب السودان جرى استيعاب بعض المتطوعين ضمن هياكل اجتماعية ورسمية مرتبطة ببرامج الرعاية والعمل المجتمعي، بينما شهدت ليبيا تجارب مشابهة لشبكات محلية تولّت إدارة الخدمات في ظل ضعف مؤسسات الدولة.
لكن هذه التجارب، رغم أهميتها، واجهت تحديات متكررة، من بينها ضعف الشفافية في بعض الحالات، وغياب الأطر القانونية الواضحة، وتحول بعض الأنشطة الطوعية إلى مساحات للمصالح الشخصية أو النفوذ المحلي. ومن هنا، فإن وجود آليات واضحة للمحاسبة والشفافية لا ينبغي النظر إليه باعتباره استهدافًا للعمل الطوعي، بل باعتباره شرطًا أساسيًا لحمايته وضمان استمراره.
فالمتطوع الحقيقي يفترض أن يكون الأكثر حرصًا على وجود نظم رقابية عادلة تحفظ ثقة المجتمع وتحمي التجربة من الاختراق أو الاستغلال.
وفي المقابل، فإن ترك الأجسام الفاعلة والمؤثرة تعمل خارج أي إطار قانوني لفترات طويلة قد يؤدي إلى تعقيدات أمنية وسياسية وإدارية، خاصة في المجتمعات الخارجة من الحروب والهشاشة المؤسسية.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إضعاف غرف الطوارئ أو إنهاء دورها، وإنما تطويرها وتمكينها من العمل بالكفاءة نفسها داخل إطار قانوني وتنظيمي واضح.
وقد يصبح من الضروري مستقبلًا إنشاء سجل رسمي أو مفوضية مختصة لتنظيم عمل غرف الطوارئ والمنظمات المجتمعية، وتحديد طبيعة أنشطتها وآليات تمويلها وعلاقتها بالمؤسسات الحكومية، بما يضمن استمرار دورها الإنساني، ويحافظ في الوقت نفسه على استقرار المجال العام وسيادة القانون.