في الحروب عموماً، ولا سيما حروب الاستنزاف الممتدة، يسعى كل طرف إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب العسكرية والسياسية بأقل تكلفة ممكنة. ولا تُحسم هذه الحروب بالقوة الميدانية وحدها، بل تلعب فيها أدوات المخابرات، والاختراقات، وبناء التحالفات، وشراء الولاءات، والتسويات السياسية، والتحييد المجتمعي أدواراً حاسمة في تغيير موازين القوى. وغالباً ما يخسر الطرف الذي يهمل هذه الجوانب الحرب على المدى البعيد، حتى وإن حقق انتصارات ميدانية مؤقتة.
في بدايات الحرب، امتلكت قوات الدعم السريع أفضلية واضحة، مستندة إلى التفوق العسكري والتكتيكي، وشجاعة المقاتلين وانضباطهم، إضافة إلى حالة الغضب الشعبي تجاه جماعة الإسلاميين بسبب تمسكهم بالسلطة، وهو ما اعتبره كثيرون سبباً مباشراً في اندلاع الحرب.
وقد مكّن ذلك الدعم السريع من السيطرة على مساحات واسعة من السودان، إلى درجة بدت معها السيطرة شبه كاملة على معظم الجغرافيا السودانية.
لكن مع امتداد أمد الحرب، برزت عوامل جديدة أعادت تشكيل المشهد، كان أبرزها الاختراقات السياسية والاجتماعية، وأدوات التحييد المجتمعي.
ومن أبرز الأخطاء التي أضرت بصورة الدعم السريع الممارسات المرتبطة بعمليات النهب والفوضى، التي عُرفت شعبياً بـ”الشفشافة”. فقد استغل الخصوم هذه الممارسات لتحييد مجتمعات الوسط والشمال بصورة شبه مجانية، ثم وظفوها لاحقاً في التعبئة والتجييش ضد الدعم السريع. وأسهم ذلك بشكل مباشر في خسارة مناطق الجزيرة والوسط، ما أدى إلى تغير ملموس في موازين المعركة.
كذلك نجح الطرف الآخر في استقطاب قيادات مؤثرة من مجتمع الزغاوة عبر التحالفات السياسية والمصالح المالية، ومن بينهم مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، الأمر الذي أسهم في إبطاء تقدم الدعم السريع ومنح خصومه فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم. وفي كثير من الأحيان، تكون التسويات السياسية وكسب القيادات المؤثرة أقل تكلفة من فتح جبهات عسكرية جديدة.
وتكرر السيناريو ذاته في مناطق أخرى، كما حدث مع بعض القيادات القبلية والمجتمعية في كردفان ودارفور، حيث لعبت التحالفات المحلية والتعبئة الاجتماعية دوراً محورياً في إعادة تشكيل الواقع الميداني، خاصة في مناطق النيل الأبيض.
واليوم تدخل الحرب مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، خصوصاً بالنسبة لتحالف “تأسيس”. وتتمثل إحدى أخطر القضايا الراهنة في محاولات تحييد قيادات من المحاميد، باعتبارهم من أبرز الحواضن الاجتماعية ذات الحضور الميداني داخل الدعم السريع. وأي اختراق في هذا الاتجاه قد يؤدي إلى إضعاف ثقة بقية المكونات العربية في القيادة، كما قد يجعل تحركات الدعم السريع أكثر انكشافاً في دارفور وكردفان، بما يشبه توفير شبكة معلومات مجانية وفاعلة للخصوم.
ويزداد المشهد تعقيداً مع احتمالات التقارب بين بعض مكونات المحاميد والزغاوة، وهو ما قد يفضي إلى نقل مركز الصراع بصورة شبه كاملة إلى إقليم دارفور، ولا سيما شمال دارفور.
وإذا كانت هناك رغبة حقيقية في تغيير مسار الحرب، فإن ذلك يتطلب الاستفادة من أخطاء المرحلة الماضية، وأبرزها:
بناء مؤسسات حقيقية تحد من النفوذ المفرط للعائلة الحاكمة، بحيث تُدار القرارات السياسية والمالية عبر مؤسسات لا عبر الأفراد.
التعامل مع المجتمعات المحلية بتواضع، والاستماع إلى مخاوفها، وتقديم إجابات واضحة بشأن مستقبل الحرب والسلام.
إشراك الحواضن الاجتماعية بصورة فعلية في رسم السياسات واتخاذ القرارات المصيرية.
توسيع مساحات التسويات السياسية والتحييد الذكي تجاه الشخصيات المترددة أو الباحثة عن دور سياسي واجتماعي.
إعادة بناء جهاز استخبارات قادر على إدارة حرب معقدة ومتشعبة بهذا الحجم.
منح الإدارة المدنية صلاحيات حقيقية لتقديم نموذج حكم موثوق، وصياغة خطاب سياسي قادر على مخاطبة مختلف السودانيين.
في المحصلة، لا تُدار الحروب بالقوة العسكرية وحدها، بل بالعقل السياسي، والقدرة على إدارة المجتمع، وبناء التحالفات، وكسب الناس قبل كسب الأرض.