حين يرحل بعض الناس، لا يغادرون الحياة وحدهم، بل يأخذون معهم جزءًا من ذاكرتنا وطمأنينتنا وأيامنا الجميلة. هكذا كان رحيل الزميل والصديق العزيز يوسف سراج الدين؛ خبرًا أثقل القلب، وأعاد إلى الذاكرة سنوات طويلة من الصحبة والعمل والمواقف الإنسانية التي يصعب أن تتكرر.
عرفت يوسف قبل أكثر من عشرين عامًا، لكن البداية الحقيقية التي لا تغيب عن ذاكرتي كانت في العام 2006، عندما التحقت متدربًا في صحيفة السوداني. يومها كان يوسف رئيسًا لقسم الأخبار، وكان بالنسبة لنا، نحن الشباب الداخلين إلى عالم الصحافة بحماس وخوف وأسئلة كثيرة، بمثابة المعلم الكبير والأخ القريب في آن واحد.
لم يكن يوسف من أولئك الذين يحتفظون بالمعرفة لأنفسهم، أو يتعاملون مع المهنة بوصفها مساحة للتعالي والاستعراض. على العكس تمامًا، كان يؤمن بأن الصحافة رسالة تُبنى بالتشارك والتوجيه والتجربة. كان يمنحنا من وقته وصبره وخبرته بلا منٍّ ولا ضجر، ويحرص على أن نتعلم أصول المهنة كما ينبغي: الدقة، واحترام الحقيقة، والإنصات للناس، والابتعاد عن التسرع والأحكام المسبقة.
تعلمنا منه أن الخبر ليس مجرد كلمات تُكتب، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون سبقًا صحفيًا. وتعلمنا أيضًا أن الصحفي الحقيقي لا يُقاس فقط بمهنيته، بل بإنسانيته وقدرته على احترام الآخرين مهما اختلف معهم.
كان يوسف هادئًا بطبعه، لكنه حاضر بقوة في كل مكان يوجد فيه. يمتلك شخصية متزنة، وكلمة محسوبة، وروحًا تميل دائمًا إلى التهدئة وجمع الناس لا تفريقهم. لذلك لم يكن غريبًا أن يحظى بمحبة واسعة وسط زملائه ومعارفه، لأن من يقترب منه يكتشف سريعًا معدنًا نادرًا من الطيبة والصدق والنبل.
وعلى امتداد سنوات معرفتنا، التي تجاوزت العقدين، لم تنقطع بيننا خيوط الاحترام والمودة. كانت علاقتنا أكبر من مجرد زمالة مهنية؛ كانت علاقة أخ حقيقي، يقف إلى جانبك في الأوقات الصعبة، ويفرح لنجاحات الآخرين كما لو أنها نجاحاته الشخصية. لم أعرفه يومًا باحثًا عن الأضواء أو المكاسب، بل كان منحازًا دائمًا للقيم النبيلة وللعمل بصمت وإخلاص.
ثم شاءت الأقدار أن نتزامل مرة أخرى داخل مجلس نقابة الصحفيين السودانيين. وهناك رأيت يوسف بصورة أعمق وأكثر نضجًا. ففي ظل التباينات والاختلافات التي تشهدها أي مؤسسة مهنية، كان يؤدي دور الحكيم الذي يسعى إلى تقريب وجهات النظر وإطفاء الحرائق الصغيرة قبل أن تكبر. لم يكن صوتًا للصراع، بل صوتًا للعقل والتوازن. وحين يحتدم النقاش، كان حضوره يمنح الجميع مساحة للتفكير بهدوء بعيدًا عن الانفعال.
كان يؤمن بأن النقابة بيت للجميع، وأن قوة الصحفيين في وحدتهم لا في انقساماتهم. لذلك ظل حريصًا على الحفاظ على الاحترام المتبادل بين الزملاء، مهما كانت درجة الاختلاف بينهم. وهذه خصلة لا يجيدها إلا أصحاب القلوب الكبيرة.
ما يميز يوسف أيضًا تلك الروح الإنسانية العميقة التي تسكنه. كان محبًا للخير بطبيعته، يبادر بالمساعدة دون انتظار مقابل، ويسأل عن الناس بصدق، ويمنح من حوله شعورًا دائمًا بالأمان والود. كثيرون ربما لا يعرفون حجم ما قدمه في الخفاء، لأن يوسف لم يكن ممن يتحدثون عن أفعالهم أو يسعون إلى الثناء. كان يفعل الخير ببساطة المؤمن بأن أجمل الأشياء هي تلك التي تُنجز بصمت.
واليوم، ونحن نودعه بحزن كبير، تبدو الكلمات عاجزة عن الإحاطة بقيمة هذا الإنسان النبيل. فالراحل لم يكن مجرد صحفي متميز، بل كان مدرسة في الأخلاق والمهنية والتواضع. ترك أثرًا في كل من عمل معه، وترك سيرة طيبة ستظل حاضرة في ذاكرة أصدقائه وزملائه وكل من عرفه عن قرب.
إن فقد يوسف سراج الدين ليس خسارة لأسرته وأصدقائه فقط، بل خسارة للمهنة التي أحبها وأخلص لها، ولجيل كامل تعلم منه معنى أن تكون صحفيًا محترمًا وإنسانًا محترمًا في الوقت نفسه.
رحل يوسف، لكن صورته ستبقى كما عرفناها دائمًا: مبتسمًا، هادئًا، منحازًا للخير، وقريبًا من القلوب. وسيبقى بالنسبة لي أخي الذي لم تلده أمي، وواحدًا من أنقى الناس الذين عرفتهم في رحلة الحياة والعمل.
رحم الله يوسف سراج الدين رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه وزملاءه الصبر والسلوان.