Fajr Press

حركات الإسلام السياسي بين المشروع الأيديولوجي وإخفاق الدولة السودانية من منظور علم الاجتماع السياسي (1)

كتب - المهندس أدم مكرم

تُعد حركات الإسلام السياسي من أكثر الظواهر السياسية والاجتماعية تأثيراً في العالم العربي والإسلامي خلال العقود الأخيرة. فمنذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مطلع القرن العشرين، سعت هذه الحركات إلى تقديم مشروع متكامل يجمع بين الدين والسياسة، ويهدف إلى إعادة تنظيم المجتمع والدولة وفق مرجعية إسلامية. وقد وجدت هذه المشاريع رواجاً واسعاً في ظل أزمات الشرعية والتنمية التي واجهتها العديد من الأنظمة السياسية، حيث طرحت نفسها باعتبارها بديلاً قادراً على تحقيق العدالة والإصلاح واستعادة القيم الأخلاقية في المجال العام.
غير أن انتقال هذه الحركات من فضاء المعارضة إلى موقع السلطة كشف عن تحديات أكثر تعقيداً تتعلق بطبيعة الدولة الحديثة ووظائفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وتبرز التجربة السودانية بوصفها إحدى أهم التجارب التي تسمح بفحص العلاقة بين المشروع الأيديولوجي وممارسة السلطة، خاصة بعد وصول الحركة الإسلامية إلى الحكم عام 1989 واستمرارها في إدارة الدولة لعقود طويلة انتهت بأزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة.
ينطلق علم الاجتماع السياسي من أن الدولة ليست مجرد جهاز إداري أو سلطة تنفيذية، وإنما إطار مؤسسي ينظم العلاقات الاجتماعية ويوزع الموارد والفرص بين مختلف الفئات الاجتماعية. وتُقاس شرعية الدولة الحديثة بمدى قدرتها على تمثيل المصالح العامة للمجتمع، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان المشاركة السياسية الواسعة، وتوفير الخدمات الأساسية، وبناء مؤسسات ديمقراطية قادرة على مساءلة السلطة وحماية الحقوق والحريات.
في هذا السياق، تبرز إشكالية أساسية في تجربة الإسلام السياسي السوداني، تتمثل في هيمنة المشروع الأيديولوجي على حساب المشروع الوطني الجامع. فبدلاً من تطوير مؤسسات دولة تستند إلى المواطنة والمساواة وسيادة القانون، جرى توظيف أجهزة الدولة في خدمة مشروع سياسي محدد، ما أدى إلى تداخل الحزب والدولة، وإضعاف استقلال المؤسسات العامة، وتراجع دورها بوصفها أدوات لخدمة المجتمع بأكمله.
ومن منظور سوسيولوجي، فإن الدولة التي تفقد استقلاليتها تجاه القوى السياسية المسيطرة تصبح أقل قدرة على التعبير عن مصالح الجماهير الواسعة، وأكثر ميلاً إلى حماية مصالح النخب المرتبطة بمراكز السلطة. وفي مثل هذه الحالات تتراجع الوظائف التنموية والاجتماعية للدولة، وتتسع الفجوة بين الخطاب السياسي واحتياجات المواطنين الفعلية، خصوصاً في مجالات العمل والخدمات والتعليم والصحة والتنمية المتوازنة.
وقد كشفت التجربة السودانية عن هذا التناقض بوضوح. فبينما رُفعت شعارات العدالة والإصلاح والمشروع الحضاري، شهدت البلاد أزمات اقتصادية متكررة، وتزايداً في معدلات الفقر والبطالة، وتدهوراً في الخدمات العامة، فضلاً عن تصاعد النزاعات المسلحة والتوترات الاجتماعية في عدد من الأقاليم. وتشير هذه المؤشرات إلى محدودية المقاربات التي تركز على البعد الأيديولوجي دون أن تواكبها سياسات تنموية ومؤسسات ديمقراطية قادرة على إدارة التنوع الاجتماعي والاستجابة لمطالب المواطنين.
كما أن غياب البناء الديمقراطي مثّل أحد أبرز أوجه الأزمة. فالديمقراطية، من منظور علم الاجتماع السياسي، ليست مجرد آلية انتخابية، بل منظومة متكاملة تقوم على تداول السلطة، والفصل بين المؤسسات، واستقلال القضاء، وحرية التنظيم والتعبير، ومشاركة المواطنين في صنع القرار. وعندما تُختزل الشرعية السياسية في امتلاك مشروع عقائدي أو ديني، تتراجع أهمية الرقابة الشعبية والمساءلة المؤسسية، ما يفتح المجال أمام التمركز المفرط للسلطة وإضعاف المجال العام.
وتُظهر التجربة السودانية أن نجاح أي مشروع سياسي لا يرتبط فقط بقدرته على إنتاج خطاب تعبوي أو مرجعية فكرية متماسكة، وإنما بقدرته على بناء دولة منحازة للمصلحة العامة، وقادرة على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين الاستقرار السياسي والمشاركة الديمقراطية. فالدولة التي تعبّر عن مصالح الأغلبية الاجتماعية وتحمي حقوق مواطنيها وتوفر لهم فرص المشاركة المتكافئة تكتسب شرعيتها من أدائها وإنجازاتها، لا من الشعارات التي ترفعها.
وفي المحصلة، فإن التجربة السودانية تمثل نموذجاً مهماً لدراسة حدود المشاريع الأيديولوجية عندما تتحول إلى سلطة حاكمة. فهي تكشف أن بناء الدولة الحديثة يتطلب مؤسسات قوية ومستقلة، ورؤية تنموية شاملة، والتزاماً بالديمقراطية والمواطنة والعدالة الاجتماعية. كما تؤكد أن أي مشروع سياسي، مهما كانت مرجعياته الفكرية أو الدينية، يفقد قدرته على الاستمرار عندما يعجز عن التعبير عن مصالح الجماهير وتحويل مطالبها في الحرية والعدالة والتنمية إلى سياسات ومؤسسات فاعلة على أرض الواقع.

25 مايو 2026م

engineermakram@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.