Fajr Press

انطلاق امتحانات الشهادة .. إرادة الشعوب السودانية تنتصر.

نيالا - فجر برس

في مشهد يحمل دلالات تتجاوز حدود العملية التعليمية إلى آفاق أوسع تتعلق بالصمود الإنساني واستعادة الحقوق الأساسية، انطلقت صباح أمس الأحد 7 – يونيو – 2026م امتحانات الشهادة السودانية للعام 2026م في (79) مركزاً موزعة على ولايات ومناطق سيطرة حكومة السلام، بعد انقطاع استمر ثلاث سنوات حُرم خلالها آلاف الطلاب والطالبات من حقهم الطبيعي في مواصلة مسيرتهم التعليمية.

ويمثل انعقاد هذه الامتحانات حدثاً استثنائياً في ظل الظروف المعقدة التي شهدها السودان خلال السنوات الماضية، حيث تأثرت المؤسسات التعليمية بصورة مباشرة بالنزاعات والاضطرابات التي أدت إلى تعطيل الدراسة وإغلاق المدارس وتوقف الامتحانات في العديد من المناطق، الأمر الذي ألقى بظلاله على مستقبل جيل كامل من الطلاب.

وأكدت اللجنة الفنية الإشرافية لامتحانات الشهادة السودانية اكتمال الترتيبات الإدارية والفنية اللازمة لإنجاح العملية الامتحانية، مع تجهيز مراكز للطوارئ لضمان استمرار الامتحانات بصورة منتظمة. وجلس أكثر من تسعة آلاف طالب وطالبة لأداء الامتحانات، في خطوة ينظر إليها باعتبارها انتصاراً لإرادة المجتمعات المحلية التي تمسكت بحق أبنائها في التعليم رغم التحديات الاستثنائية.

التعليم حق إنساني لا يسقط بالنزاعات.

لا ينظر المجتمع الدولي إلى التعليم باعتباره خدمة عامة فحسب، بل يعده حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، تكفله مجموعة من الاتفاقيات والمواثيق الدولية الملزمة للدول والأطراف المختلفة.

فقد نصت المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 على أن “لكل شخص الحق في التعليم”، مؤكدة أن التعليم يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز. كما كرست المادة (13) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هذا الحق، واعتبرته وسيلة أساسية لتنمية شخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوقه وحرياته الأساسية.

ويحظى الأطفال واليافعون بحماية خاصة في هذا الجانب بموجب اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، التي ألزمت الدول باتخاذ التدابير الكفيلة بضمان حصول الأطفال على التعليم بصورة منتظمة، والعمل على تقليل معدلات التسرب والانقطاع الدراسي.

وتؤكد هذه النصوص القانونية أن حرمان الطلاب من التعليم أو تعطيل وصولهم إلى المؤسسات التعليمية بسبب النزاعات أو الأزمات الممتدة يمثل تحدياً مباشراً لواحد من أهم الحقوق الإنسانية المرتبطة بالكرامة والتنمية والاستقرار المجتمعي.

القانون الدولي الإنساني وحماية العملية التعليمية.

أولى القانون الدولي الإنساني اهتماماً كبيراً بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، ومن ضمنهم الطلاب والمعلمون والعاملون في القطاع التعليمي.

وتنص اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية على ضرورة حماية السكان المدنيين والأعيان المدنية، بما في ذلك المؤسسات التعليمية، من آثار العمليات العسكرية. كما تؤكد القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني على أهمية اتخاذ جميع التدابير الممكنة لضمان استمرار الخدمات الأساسية للسكان المدنيين، وفي مقدمتها التعليم.

وفي السنوات الأخيرة، برز مفهوم “حماية التعليم أثناء النزاعات المسلحة” كأحد المبادئ الأساسية التي تتبناها المنظمات الدولية، انطلاقاً من أن المدارس والجامعات ليست مجرد مبانٍ تعليمية، بل مؤسسات تؤدي دوراً محورياً في حماية الأطفال والشباب من آثار الحرب والعنف والتشرد.

ومن هذا المنطلق، فإن استئناف امتحانات الشهادة السودانية في المناطق التي شهدت انقطاعاً تعليمياً لسنوات يمثل خطوة عملية باتجاه إعادة تفعيل أحد الحقوق الأساسية التي كفلتها القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية.

انتصار للأمل على آثار الحرب.

لم تكن السنوات الثلاث الماضية مجرد فترة توقف دراسي عادية، بل مثلت مرحلة قاسية واجه خلالها الطلاب وأسرهم تحديات متعددة، شملت النزوح وفقدان البنية التعليمية ونقص المعلمين والوسائل التعليمية، فضلاً عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية المعقدة التي صاحبت الأزمة.

ورغم تلك التحديات، ظلت المجتمعات المحلية متمسكة بحق أبنائها في التعليم، باعتباره المدخل الرئيسي لبناء المستقبل وكسر دائرة الفقر والتهميش. ولذلك ينظر كثيرون إلى عودة الامتحانات بوصفها رسالة أمل تعكس قدرة المجتمع السوداني على التمسك بحقوقه الأساسية وعدم الاستسلام للظروف الاستثنائية.

ويؤكد خبراء التربية أن الامتحانات لا تمثل مجرد تقييم أكاديمي للطلاب، بل تشكل بوابة عبور نحو مراحل تعليمية أعلى، وفرصة لاستعادة الثقة في المؤسسات التعليمية وإعادة دمج آلاف الشباب في مسارات التعليم والتأهيل المهني والأكاديمي.

الجامعات واستكمال مسار التعافي التعليمي.

وفي سياق متصل، أعلنت حكومة السلام شروعها في تنفيذ خطة لإعادة فتح الجامعات بمناطق سيطرتها، بهدف استيعاب الطلاب المتوقع نجاحهم في امتحانات الشهادة السودانية وتوسيع فرص التعليم العالي.

وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود أوسع لإعادة بناء المؤسسات الخدمية واستعادة مظاهر الحياة الطبيعية، حيث يشكل التعليم العالي إحدى الركائز الأساسية لإعداد الكوادر البشرية القادرة على الإسهام في عمليات التنمية وإعادة الإعمار مستقبلاً.

ويرى مراقبون أن نجاح امتحانات الشهادة السودانية سيشكل مؤشراً مهماً على إمكانية استعادة العملية التعليمية بصورة تدريجية، كما سيعزز من فرص استقرار المجتمعات المحلية عبر توفير مسارات تعليمية نظامية للشباب الذين تأثروا بالنزاع.

مستقبل يُكتب بالإرادة.

بين قاعات الامتحانات ودفاتر الإجابة تتجسد اليوم قصة صمود سودانية بامتياز. فبعد ثلاث سنوات من الحرمان والانقطاع، يعود آلاف الطلاب إلى مقاعد الامتحان حاملين أحلامهم وطموحاتهم وإصرارهم على مواصلة التعليم رغم كل الصعوبات.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه القوانين الدولية أن التعليم حق أصيل لا يجوز تعطيله أو الانتقاص منه، فإن انعقاد امتحانات الشهادة السودانية في هذه الظروف يمثل ترجمة عملية لهذا الحق، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن إرادة الشعوب في التمسك بالتعليم أقوى من الأزمات، وأن الاستثمار في المعرفة يظل الطريق الأكثر أمناً نحو السلام والاستقرار والتنمية.

وهكذا، لا تبدو امتحانات الشهادة السودانية لهذا العام مجرد استحقاق أكاديمي، بل محطة وطنية وإنسانية تؤكد أن حق التعليم قادر على البقاء حياً حتى في أحلك الظروف، وأن إرادة السودانيين في صناعة مستقبل أفضل لأبنائهم انتصرت على سنوات الحرمان والانقطاع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.