Fajr Press

دفاتر الإنسانية: حين تعمل المرأة .. تتعافى المجتمعات “2”

كتبت - وجدان أبو قرون

في مخيم كرياندنقو للاجئين بأوغندا، حيث تتقاطع حكايات النزوح مع ذاكرة الحرب والنجاة، تبدأ “أم محمد” يومها قبل شروق الشمس. تُعد بعض المخبوزات المنزلية، من بينها الكنافة، ثم تحملها إلى السوق الصغير القريب من مكان إقامتها أملاً في تأمين احتياجات أسرتها اليومية.
لم تكن تتخيل أن تتحول بين ليلة وضحاها إلى المعيل الوحيد لأسرتها، وأن تحمل أدوار الأب والأم معاً، لكن الحرب التي عصفت بالسودان قلبت حياتها رأساً على عقب. فقد زوجها عمله، وتعرض لإصابة أدت إلى بتر ساقه اليمنى جراء عيار ناري طائش، بينما تحول منزلها في السودان إلى ذكرى بعيدة تختلط فيها مشاعر الفقد والحنين.
اليوم، ينتظر أطفالها الثلاثة ما توفره من دخل بسيط لتأمين الطعام ومصاريف الدراسة، فيما تخوض هي معركة يومية من أجل البقاء بعد أن نجت من أهوال الحرب.
تقول أم محمد:
“إذا توقفت عن العمل لساعة واحدة أو ليوم واحد، فقد ننام جائعين.”
وفي جانب آخر من المخيم، تحمل عبير، الشابة السودانية البالغة من العمر 24 عاماً، قصة مختلفة لكنها لا تقل قسوة. فقد كانت تدرس القانون وتحلم بمستقبل مهني، قبل أن تبدد الحرب أحلامها وتحول مسار حياتها إلى طريق آخر. اضطرت اليوم إلى بيع الشاي والقهوة في السوق منذ ساعات الصباح الأولى وحتى المساء، بعد أن فقدت أسرتها مصدر دخلها الأساسي.
وبابتسامة تخفي وراءها الكثير من الألم، تقول عبير:
“لم أختر هذه الحياة، لكنني قررت ألا أترك إخوتي للجوع.”
تختلف التفاصيل بين قصة وأخرى، لكن جوهر الحكايات واحد: عندما تحصل المرأة على فرصة للعمل، فإن أثر ذلك لا يقتصر عليها وحدها، بل يمتد إلى أسرتها ومجتمعها بأكمله.
فآلاف النساء السودانيات وجدن أنفسهن خلال الحرب أمام مسؤوليات جديدة، بعد فقدان مصادر الدخل وتشتت الأسر والنزوح إلى مناطق آمنة داخل البلاد وخارجها. ولم يعد العمل بالنسبة لكثير منهن مجرد وسيلة لكسب المال، بل أصبح أداة للحفاظ على الحياة وتوفير الاحتياجات الأساسية في ظروف بالغة الصعوبة.
إن حماية فرص عمل النساء لم تعد قضية اجتماعية مرتبطة فقط بمفاهيم التمكين أو المساواة، بل أصبحت قضية إنسانية ترتبط بحق الأسر في الغذاء والتعليم والرعاية الصحية والعيش بكرامة.
في أوقات الأزمات والحروب، تكون النساء من أكثر الفئات تضرراً من فقدان الوظائف وارتفاع تكاليف المعيشة، إلا أنهن في الوقت ذاته يمتلكن قدرة كبيرة على تحويل الفرص المحدودة إلى مصادر دعم أساسية لأسرهن. فالمرأة التي تبيع الطعام، أو تدير مشروعاً منزلياً صغيراً، أو تعمل في الأسواق، لا تبحث عن رفاهية شخصية، وإنما تسعى إلى توفير الاحتياجات اليومية لأطفالها وضمان استمرار حياتهم.
ولا يمثل العمل بالنسبة للمرأة دخلاً مادياً فقط، بل يمنحها أيضاً شعوراً بالأمان والاستقلال والقدرة على اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل أسرتها.
ومن منظور اقتصادي، فإن دعم النساء العاملات يمثل استثماراً مباشراً في تعافي المجتمعات. فالنساء غالباً ما يوجهن الجزء الأكبر من دخولهن نحو احتياجات الأسرة الأساسية، مثل الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، وهو ما يساهم في تعزيز استقرار الأسرة وتحسين ظروف الأطفال.
كما أن تمكين النساء من تأسيس مشاريع صغيرة أو استعادة مصادر دخلهن لا يساعدهن فقط على تجاوز آثار الأزمات، بل يساهم أيضاً في تنشيط الاقتصاد المحلي ودعم جهود إعادة بناء المجتمعات المتضررة.
ورغم استمرار الحروب والأزمات التي تضرب مناطق عديدة من العالم، يبقى الاستثمار في النساء استثماراً في قدرة المجتمعات على الصمود. فالمرأة التي تمتلك فرصة عمل لا تؤمّن قوت يومها فقط، بل تمنح أطفالها الأمل، وتحمي أسرتها من الانهيار، وتشارك في صناعة مستقبل أكثر استقراراً.
إن حماية عمل النساء وتوفير فرص عادلة لهن لا يعني فقط دعم أفراد، بل يعني دعم مجتمع كامل يسعى إلى التعافي والنهوض.

“كل حق يبدأ بإنسان، وكل إنسان يستحق أن تُروى حكايته.”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.