الحرب السودانية وأزمة الفكرة الوطنية: هل كشفت حرب أبريل انهيار السردية السياسية؟
كتب - أدم مكرم
ليست الحروب مجرد مواجهة بين جيوش أو تنازع على السلطة، وإنما هي، في لحظات التاريخ الفاصلة، امتحان قاسٍ للأفكار، واختبار لصلابة المشاريع الوطنية، وكاشفٌ لما تخفيه الخطابات الأيديولوجية من تناقضات. فالحرب لا تصنع الأزمات بقدر ما تنزع عنها أقنعتها، وتدفعها إلى السطح، حيث يصبح من المتعذر الاختباء خلف الشعارات أو الاحتماء بالموروث الخطابي.
ومن هذا المنظور، تبدو حرب الخامس عشر من أبريل في السودان أكثر من كونها صراعًا عسكريًا على السلطة؛ فهي لحظة تاريخية أعادت طرح السؤال الذي ظل مؤجلًا منذ الاستقلال: هل نجحت النخب السياسية السودانية، بمختلف اتجاهاتها، في بناء فكرة وطن يتجاوز الانتماءات الأولية، أم أنها اكتفت بإنتاج سرديات أيديولوجية أخفت هشاشة المشروع الوطني دون أن تعالج جذوره؟
لقد ظل الخطاب السياسي السوداني، لعقود، يتحدث عن الوطن الواحد، والعدالة، والديمقراطية، والثورة، والوحدة الوطنية. غير أن الحرب وضعت هذه المفاهيم أمام اختبار الواقع، فإذا بكثير من المواقف السياسية تنزاح من فضاء المبادئ إلى فضاء الاصطفافات، ومن منطق المواطنة إلى منطق الانتماءات الجهوية والاجتماعية. وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: هل كانت الأيديولوجيا، في بعض الأحيان، إطارًا جامعًا بالفعل، أم أنها كانت غطاءً هشًا لانتماءات أعمق وأكثر رسوخًا؟
إن من أبرز الظواهر التي كشفتها الحرب، من وجهة نظر العديد من المراقبين، هو أن مواقف بعض الفاعلين السياسيين لم تُبنَ دائمًا على معيار ثابت في تقييم الانتهاكات أو في الدفاع عن المدنيين، بل بدا أن الانتماءات الجغرافية أو الاجتماعية أثرت، في بعض الحالات، على طبيعة الخطاب وحدّة الإدانة أو الصمت. وإذا صح هذا التشخيص، فإننا نكون أمام أزمة تتجاوز السياسة اليومية إلى أزمة في مفهوم المواطنة ذاته، حيث يصبح الانتماء للوطن أقل حضورًا من الانتماء للهويات الفرعية.
وهنا تتجلى الهزيمة الكبرى، لا هزيمة طرف عسكري أمام آخر، وإنما هزيمة الفكرة الوطنية أمام ثقل الانقسامات التاريخية. فحين تتراجع الهوية الوطنية إلى المرتبة الثانية، وتتصدر الهويات المحلية أو الإثنية أو الجهوية المشهد، فإن ذلك يطرح سؤالًا وجوديًا حول طبيعة الدولة السودانية نفسها: هل نحن أمام دولة أخفقت في إنتاج أمة سياسية جامعة، أم أمام أمة لم تستكمل بعد شروط تحولها إلى دولة حديثة؟
لقد كشفت الحرب أن كثيرًا من التنظيمات السياسية، على اختلاف مرجعياتها، لم تستطع أن تقدم برنامجًا وطنيًا جامعًا يستوعب التعدد الثقافي والإثني واللغوي بوصفه مصدرًا للقوة لا سببًا للانقسام. وظلت فكرة الدولة، في حالات كثيرة، أسيرة المنافسة على السلطة أكثر من انشغالها بإعادة تأسيس العقد الوطني الذي يضمن المساواة الكاملة بين المواطنين.
ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل خطورة: هل بدأت الجغرافيا السياسية للسودان تتشكل، عمليًا، بفعل الحرب قبل أن تُعاد صياغتها عبر أي تسوية سياسية مستقبلية؟ فقد تؤدي سنوات الحرب إلى ترسيخ مناطق نفوذ سياسية وعسكرية واجتماعية، بما يجعل أي ترتيبات لاحقة مضطرة للتعامل مع وقائع أفرزها الصراع على الأرض. ولا يعني ذلك حتمية الانقسام، لكنه يعني أن استمرار الحرب قد يعمّق الانقسامات ويجعل إعادة بناء الدولة أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، يصبح مستقبل الأحزاب السياسية نفسه موضع تساؤل. فهل ستتمكن من استعادة خطاب وطني عابر للجهات والهويات؟ أم أنها ستنكمش تدريجيًا إلى قواعد اجتماعية وجغرافية محددة، فتتحول من أحزاب وطنية إلى قوى ذات امتداد إقليمي أو محلي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على قدرة هذه الأحزاب على مراجعة خطابها وبنيتها التنظيمية، وعلى استعدادها لإنتاج مشروع سياسي يتجاوز منطق الحواضن الضيقة.
إن السودان، بعد هذه الحرب، لا يحتاج فقط إلى اتفاق لوقف إطلاق النار أو إلى ترتيبات انتقالية، بل يحتاج إلى مراجعة فكرية شاملة تعيد تعريف معنى الوطن، ومعنى المواطنة، ومعنى الدولة. فالأزمات التي كشفتها الحرب ليست عسكرية فحسب، بل هي أزمات في الثقافة السياسية، وفي بنية الأحزاب، وفي طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، وفي قدرة النخب على تحويل التنوع إلى شراكة وطنية.
لقد أثبتت التجربة أن الشعارات، مهما بلغت بلاغتها، لا تصمد إذا لم تسندها مؤسسات وثقافة سياسية وممارسة أخلاقية. وأن الوطنية ليست خطابًا يُلقى في المناسبات، بل هي قدرة عملية على الدفاع عن كرامة جميع المواطنين دون تمييز، وعلى الاعتراف بأن التعدد ليس تهديدًا للوحدة، بل شرطًا من شروطها.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام النخب السودانية: هل ستكون هذه الحرب بداية مراجعة تاريخية تعيد بناء المشروع الوطني على أسس المواطنة والدولة المدنية وسيادة القانون، أم أنها ستكرس واقعًا جديدًا تتقدم فيه الجغرافيا على الوطن، والانتماءات الأولية على الهوية السودانية الجامعة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الأحزاب، بل قد تحدد مستقبل السودان نفسه.
كمبالا ٢٢ يوليو ٢٠٢٦م
engineermakram@gmail.com