Fajr Press

بيان لجنة المعلمين السودانيين .. كلمة حق في وجه النازيين الجدد.

متابعات - فجر برس

في خضم واحدة من أكثر الفترات قسوة في تاريخ السودان الحديث، حيث ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على مختلف مناحي الحياة، يبرز ملف التعليم باعتباره أحد أكثر الملفات إلحاحاً وحساسية. وبينما يستمر ملايين السودانيين في مواجهة تداعيات النزاع المسلح، يجد مئات الآلاف من الطلاب والطالبات أنفسهم ضحايا لحرب لم يكونوا طرفاً فيها، بعدما حُرموا لسنوات متتالية من حقهم الأساسي في التعليم والجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية.

في هذا السياق، جاء بيان لجنة المعلمين السودانيين بشأن انطلاق امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة السلام “تأسيس” ليشكل موقفاً مهنياً وأخلاقياً جديراً بالتقدير، إذ انحاز بوضوح إلى حق الطلاب في التعليم بعيداً عن الاستقطابات السياسية والعسكرية التي مزقت البلاد.

وأكدت اللجنة أن موقفها لا يمثل دعماً لأي طرف من أطراف النزاع، وإنما يستند إلى مبدأ ثابت يتمثل في حماية حق الطلاب والطالبات في مواصلة مسيرتهم التعليمية وعدم تحويل التعليم إلى رهينة للصراع السياسي والعسكري. وهو موقف يعكس فهماً عميقاً للدور الوطني للتعليم باعتباره جسراً للوحدة الاجتماعية وأداة لبناء السلام والاستقرار.

لقد أصابت لجنة المعلمين كبد الحقيقة عندما شددت على أن التعليم لا ينبغي أن يكون ساحة إضافية للحرب، ولا وسيلة لمعاقبة الأبرياء بسبب مواقف أو حسابات سياسية. فالحق في التعليم من الحقوق الأساسية التي أقرتها المواثيق الدولية كافة، وهو حق لا يسقط بسبب النزاعات المسلحة أو الانقسامات السياسية.

وتنص المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “لكل شخص الحق في التعليم”، كما يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مادته الثالثة عشرة أن الدول الأطراف تعترف بحق كل فرد في التعليم، وتتعهد باتخاذ التدابير اللازمة لضمان إعمال هذا الحق بصورة كاملة.

ولم يقتصر الأمر على مواثيق حقوق الإنسان العامة، بل امتد إلى القانون الدولي الإنساني الذي ينظم أوضاع النزاعات المسلحة. فقد أكدت اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها ضرورة حماية المؤسسات التعليمية وضمان استمرار العملية التعليمية قدر الإمكان أثناء النزاعات. كما شددت اتفاقية حقوق الطفل، في المادتين (28) و(29)، على حق الطفل في التعليم وواجب السلطات اتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان عدم انقطاعه.

ومن هذا المنطلق، فإن أي خطوة تهدف إلى تمكين الطلاب من الجلوس للامتحانات واستكمال مسيرتهم الدراسية تمثل استجابة لالتزامات قانونية وأخلاقية وإنسانية معترف بها دولياً، بغض النظر عن الجهة التي تتولى تنظيم تلك العملية أو المنطقة الجغرافية التي تتم فيها.

وفي المقابل، يظل من الصعب تبرير حرمان أكثر من ربع مليون طالب وطالبة في مناطق واسعة من السودان من حقهم في الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية طوال ثلاثة أعوام متتالية. فالحروب والنزاعات، مهما كانت مبرراتها، لا تمنح أي سلطة الحق في مصادرة مستقبل جيل كامل أو استخدام التعليم كورقة ضغط سياسية.

إن استمرار هذا الحرمان لا يمثل فقط انتهاكاً للحق في التعليم، بل يهدد بإنتاج آثار اجتماعية واقتصادية ونفسية عميقة تمتد لسنوات طويلة. فالأجيال التي تُحرم من التعليم تُحرم في الوقت ذاته من فرص العمل والتنمية والمشاركة الفاعلة في بناء مجتمعاتها، وهو ما ينعكس سلباً على مستقبل السودان بأسره.

وتزداد خطورة الأمر عندما يتحول التعليم إلى أداة للتمييز بين المواطنين وفق مناطق سيطرتهم الجغرافية أو ظروفهم السياسية. فالمبدأ الذي كرسته المواثيق الدولية يقوم على المساواة وعدم التمييز، وعلى ضمان وصول الخدمات التعليمية إلى جميع الأطفال والشباب دون استثناء.

لذلك فإن الخطوة المتمثلة في تنظيم امتحانات الشهادة السودانية للطلاب الموجودين في مناطق سيطرة حكومة السلام “تأسيس” تمثل محاولة عملية لتدارك جزء من الكارثة التعليمية التي خلفتها الحرب، وتفتح نافذة أمل أمام عشرات الآلاف من الطلاب الذين ظلوا ينتظرون فرصة عادلة لمواصلة تعليمهم وتحقيق أحلامهم.

ولا يعني دعم هذه الخطوة بالضرورة المصادقة على أي مشروع سياسي أو عسكري، كما أوضحت لجنة المعلمين السودانيين بجلاء، وإنما يعني الانحياز إلى مصلحة الطلاب وإلى المبادئ الإنسانية والقانونية التي تضع حق التعليم فوق الخلافات والصراعات.

لقد قدمت لجنة المعلمين السودانيين نموذجاً مسؤولاً للموقف الوطني عندما رفضت الانجرار إلى خطاب الكراهية والاستقطاب، واختارت الوقوف إلى جانب الطلاب ومستقبلهم. وهو موقف يستحق الإشادة لأنه يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة، ويؤكد أن التعليم يجب أن يبقى قضية وطنية جامعة لا ساحة للتجاذبات السياسية.

إن السودان اليوم بحاجة إلى أصوات العقل والحكمة أكثر من أي وقت مضى، وبحاجة إلى مبادرات تعيد الاعتبار لحقوق المواطنين الأساسية وفي مقدمتها حق التعليم. فالحروب تنتهي عاجلاً أم آجلاً، لكن الأضرار التي تلحق بالأجيال المحرومة من التعليم قد تستمر لعقود طويلة.

ومن هنا، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي دعم كل جهد يهدف إلى تمكين الطلاب السودانيين من مواصلة تعليمهم، والعمل من أجل الوصول إلى امتحان وطني شامل يتيح الفرصة لجميع الطلاب في أنحاء البلاد دون تمييز أو إقصاء، ويحافظ على وحدة النظام التعليمي السوداني.

لقد كان بيان لجنة المعلمين السودانيين بالفعل كلمة حق في زمن الاستقطاب، وصوتاً مدافعاً عن حق أصيل كفلته الشرائع والمواثيق الدولية. أما الذين يصرون على حرمان مئات الآلاف من الطلاب من مستقبلهم الدراسي، فإنهم يتحملون أمام التاريخ وأمام الأجيال القادمة مسؤولية واحدة من أخطر صور الإقصاء التي عرفها السودان في تاريخه الحديث.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.