Fajr Press

موقف هيئة محامي دارفور من امتحانات الشهادة السودانية وظلم أولى القربى.

كتب - عبدالرحمن العاجب

في الوقت الذي يعيش فيه السودان واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والتعليمية تعقيداً في تاريخه الحديث، يبرز الجدل حول عقد امتحانات الشهادة السودانية في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة السلام “تأسيس” باعتباره قضية تتجاوز حدود السياسة والصراع العسكري إلى فضاء الحقوق الأساسية للمواطنين، وعلى رأسها الحق في التعليم.

وفي هذا السياق، جاء البيان المشترك الصادر عن هيئة محامي دارفور والمجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات الرافض لعقد الامتحانات في مناطق دارفور وكردفان ليطرح تساؤلات جوهرية حول مدى اتساق هذا الموقف مع المبادئ الحقوقية التي يفترض أن تدافع عنها المؤسسات القانونية والحقوقية.

لقد وصفت الهيئة تنظيم الامتحانات بأنه “عبث بمستقبل الطلاب” وأن نتائجها “بلا قيمة”، معتبرة أن الجهة المنظمة لا تحظى باعتراف دولي. غير أن هذا الطرح يثير إشكالية أساسية تتعلق بطبيعة الدور الذي ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الحقوقية في أوقات النزاعات. فالأصل في العمل الحقوقي أن ينحاز إلى حقوق الأفراد وحمايتها، لا أن يجعل تلك الحقوق رهينة للاعتبارات السياسية أو لمواقف أطراف الصراع المختلفة.

فمنذ اندلاع الحرب، حُرم مئات الآلاف من الطلاب والطالبات في دارفور وكردفان ومناطق أخرى من حقهم في التعليم والجلوس للامتحانات العامة. وتشير تقديرات متداولة إلى أن أكثر من ربع مليون طالب وطالبة تأثروا بصورة مباشرة بانقطاع العملية التعليمية وحرمانهم من فرص أداء امتحانات الشهادة السودانية خلال سنوات متعاقبة. وكان المنتظر من هيئة محامي دارفور، باعتبارها جسماً قانونياً وحقوقياً، أن ترفع صوتها احتجاجاً على هذا الحرمان الجماعي وأن تطالب بإيجاد حلول عملية تضمن عدم ضياع مستقبل هؤلاء الطلاب، بدلاً من التركيز على التشكيك في أي محاولة لتوفير مسار تعليمي لهم.

إن الموقف المعلن من الهيئة يبدو أقرب إلى الاصطفاف مع الرؤية السياسية السائدة لدى سلطة بورتسودان، التي ظلت تنظر إلى مؤسسات ومبادرات المناطق الخارجة عن سيطرتها من زاوية الشرعية السياسية وليس من زاوية الحقوق الأساسية للسكان المدنيين. كما أن البيان يلتقي في بعض جوانبه مع مواقف قوى سياسية أخرى ظلت تعارض أي ترتيبات مستقلة في مناطق النزاع، بغض النظر عن انعكاس ذلك على حياة المواطنين وحقوقهم اليومية.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يصبح حق الطالب في التعليم رهينة للصراع حول الشرعية السياسية؟ وهل يجوز للمؤسسات الحقوقية أن ترفض إجراء امتحانات لآلاف الطلاب فقط لأن الجهة المنظمة لها ليست محل توافق سياسي أو اعتراف دولي؟

إن المواثيق الدولية تجيب بوضوح على هذه الأسئلة. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 نص في المادة (26) على أن “لكل شخص الحق في التعليم”. كما أكدت المادة (13) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن التعليم حق أساسي يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز. كذلك نصت المادة (28) من اتفاقية حقوق الطفل على اعتراف الدول بحق الطفل في التعليم واتخاذ التدابير اللازمة لضمان إعمال هذا الحق بصورة تدريجية وعلى أساس تكافؤ الفرص.

ولا تقف الحماية القانونية للحق في التعليم عند حدود السلم، بل تمتد إلى حالات النزاعات المسلحة والطوارئ الإنسانية. فقد أكدت العديد من المبادئ الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات المختصة أن استمرار التعليم أثناء النزاعات يمثل ضرورة إنسانية وليس ترفاً إدارياً أو سياسياً، لما يترتب على انقطاعه من آثار مدمرة على الأفراد والمجتمعات.

ومن هذا المنطلق، فإن أي جهد يهدف إلى تمكين الطلاب من مواصلة تعليمهم أو الجلوس للامتحانات ينبغي أن يُنظر إليه ابتداءً باعتباره محاولة لحماية حق أساسي من حقوق الإنسان، مع إمكانية مناقشة الجوانب الفنية والقانونية المتعلقة بالاعتماد والاعتراف والمعايير الأكاديمية. أما المطالبة بإيقاف الامتحانات أو نزع الشرعية عنها بصورة مطلقة، فإنها تضع الطلاب مرة أخرى في قلب معركة سياسية لا يد لهم فيها.

الأكثر إثارة للانتباه أن بيان الهيئة لم يقدم بديلاً عملياً للطلاب الذين حُرموا من الامتحانات لسنوات طويلة. فالنقد الحقوقي الرصين لا يكتفي برفض الواقع القائم، بل يطرح حلولاً تضمن حماية الحقوق ومنع انتهاكها. وإذا كانت الهيئة ترى أن الامتحانات الحالية تعاني من إشكالات قانونية أو إدارية، فإن مسؤوليتها المهنية تقتضي الدعوة إلى آليات للاعتراف بها أو معادلتها أو الإشراف عليها، لا المطالبة بإجهاضها بالكامل.

إن العدالة الحقيقية تقتضي النظر إلى معاناة الطلاب في دارفور وكردفان بعين المساواة مع غيرهم من طلاب السودان. فهؤلاء ليسوا مجرد أرقام في تقارير الحرب، بل أجيال كاملة يهددها الضياع بسبب الصراع السياسي والعسكري المستمر. ومن المؤسف أن يصدر عن مؤسسة قانونية يفترض أن تكون نصيراً للمظلومين موقف يُفهم منه، بقصد أو بغير قصد، أنه يضيف عقبة جديدة أمام هؤلاء الطلاب بدلاً من أن يفتح أمامهم أبواب الأمل.

لقد علمتنا التجارب الدولية أن التعليم في أوقات الحروب ليس مجرد خدمة عامة، بل هو أحد أهم أدوات حماية المجتمعات من الانهيار والتفكك. ولذلك فإن الواجب الأخلاقي والحقوقي يقتضي دعم كل المبادرات التي تسهم في استمرار العملية التعليمية، مع العمل على تطويرها وضمان جودتها ومشروعيتها، لا السعي إلى إبطالها أو التقليل من قيمتها.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأخلاقي الأهم: أين كانت الأصوات الحقوقية عندما حُرم مئات الآلاف من الطلاب من حقهم في التعليم والامتحانات لسنوات متتالية؟ ولماذا يرتفع صوت الاعتراض الآن عندما تُبذل محاولات لإعادة هؤلاء الطلاب إلى مقاعد الدراسة ومسار المستقبل؟

إن الدفاع عن الحق في التعليم يجب أن يكون موقفاً مبدئياً ثابتاً لا يتغير بتغير موازين السياسة ولا باختلاف مواقع السيطرة على الأرض. وما لم تُقدَّم مصلحة الطلاب على حسابات الصراع، فإن الخاسر الأكبر سيظل هو الجيل السوداني الذي يدفع ثمن حرب لم يخترها، ويواجه مستقبلاً غامضاً بسبب حسابات الكبار وصراعاتهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.