Fajr Press

إغلاق القنصلية السودانية في “أبشي” وطرد القنصل .. خطوة أولى نحو التصعيد بين البلدين.

متابعات - فجر برس

يمثل قرار السلطات التشادية بإغلاق القنصلية السودانية في مدينة أبشي وإعلان القنصل العام وطاقم البعثة الدبلوماسية أشخاصاً غير مرغوب فيهم، تطوراً لافتاً في مسار العلاقات المتوترة أصلاً بين تشاد وسلطة بورتسودان التي يقودها قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان. ويُنظر إلى الخطوة التشادية باعتبارها مؤشراً على انتقال الخلافات السياسية والأمنية بين البلدين إلى مرحلة أكثر حساسية قد تقود إلى مزيد من التصعيد الدبلوماسي خلال الفترة المقبلة.

وبحسب مصادر دبلوماسية سودانية وتشادية، فإن قرار إغلاق القنصلية جاء على خلفية ما وصفته السلطات التشادية بتجاوزات إدارية وأمنية ارتبطت باستدعاء بعثة للسجل المدني والجوازات من السودان دون التنسيق مع الجهات الرسمية في أنجامينا، الأمر الذي أثار مخاوف أمنية لدى السلطات التشادية بعد اكتشاف أن أعضاء الفريق ينتمون إلى الشرطة السودانية ويحمل بعضهم رتباً عسكرية رفيعة.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن السلطات التشادية اعتبرت الخطوة انتهاكاً للإجراءات الدبلوماسية المعمول بها، خاصة أن دخول الفريق إلى البلاد تم تحت غطاء تأشيرات لا تعكس طبيعة المهام الرسمية التي كان من المقرر أن ينفذها داخل الأراضي التشادية. وعلى إثر ذلك، أوقفت الأجهزة الأمنية عدداً من أعضاء الفريق قبل أن تتخذ قراراً بإغلاق القنصلية وإمهال العاملين فيها أياماً معدودة لمغادرة البلاد.

غير أن مراقبين يرون أن الأزمة الحالية تتجاوز الجوانب الإجرائية المرتبطة بعمل القنصلية، وتأتي في سياق توتر سياسي وأمني متصاعد بين الخرطوم وأنجامينا منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023. فقد ظلت سلطة بورتسودان توجه اتهامات متكررة للحكومة التشادية بتسهيل وصول الدعم العسكري واللوجستي إلى قوات الدعم السريع عبر الحدود المشتركة، وهي اتهامات ظلت أنجامينا تنفيها بصورة قاطعة، مؤكدة التزامها بسياسة الحياد تجاه أطراف النزاع السوداني.

وخلال الأشهر الماضية، شهد الخطاب السياسي والإعلامي الصادر عن مؤسسات تابعة لسلطة بورتسودان تصعيداً ملحوظاً تجاه تشاد، حيث جرى اتهامها مراراً بالتورط في دعم قوات الدعم السريع أو غض الطرف عن تحركاتها على الحدود الغربية للسودان. كما تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة إلى الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، وسط اتهامات بأن بلاده تحولت إلى ممر للإمدادات العسكرية المتجهة إلى مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في إقليم دارفور.

في المقابل، تنظر السلطات التشادية إلى هذه الاتهامات باعتبارها محاولة لتحميلها مسؤولية تعقيدات الصراع السوداني، وترى أن الأولوية بالنسبة لها تتمثل في حماية أمنها القومي وإدارة تدفق مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين الذين عبروا الحدود منذ اندلاع الحرب. وتستضيف تشاد اليوم واحدة من أكبر موجات اللجوء السوداني في المنطقة، الأمر الذي فرض عليها أعباء اقتصادية وأمنية وإنسانية متزايدة.

ويرى محللون أن قرار إغلاق القنصلية السودانية في أبشي يحمل رسالة سياسية تتجاوز البعد الدبلوماسي المباشر، مفادها أن أنجامينا لم تعد مستعدة للتعامل مع ما تعتبره تجاوزات أو ضغوطاً سياسية صادرة عن سلطة بورتسودان. كما يعكس القرار مستوى متقدماً من التوتر قد ينعكس على مجمل العلاقات الثنائية، بما في ذلك ملفات التعاون الأمني والحدودي التي ظلت تشكل محوراً أساسياً في العلاقة بين البلدين.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة السودانية، تبرز تساؤلات متزايدة حول مستقبل موقف تشاد من القوى السياسية والعسكرية الجديدة التي بدأت تفرض نفسها لاعباً مؤثراً في المشهد. وتذهب بعض التقديرات إلى أن استمرار التوتر مع سلطة بورتسودان قد يدفع أنجامينا إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الأطراف السودانية المختلفة، بما في ذلك حكومة السلام “تأسيس” التي برزت خلال الفترة الأخيرة كإطار سياسي يسعى إلى تقديم بديل للحكم في السودان.

وتشير مصادر سياسية مطلعة إلى أن الحكومة التشادية تتابع عن كثب التطورات المرتبطة بمشروع “تأسيس”، في ظل إدراك متزايد بأن مستقبل السودان قد يتجه نحو ترتيبات سياسية جديدة تختلف عن الصيغ التقليدية التي هيمنت على المشهد خلال العقود الماضية. وترى هذه المصادر أن تشاد، بحكم موقعها الجغرافي وتشابكها الاجتماعي والاقتصادي مع إقليم دارفور، ستسعى في نهاية المطاف إلى بناء علاقات مع أي سلطة سودانية قادرة على تحقيق الاستقرار وضمان أمن الحدود المشتركة.

وفي هذا السياق، لا يستبعد مراقبون أن تتجه أنجامينا مستقبلاً نحو الاعتراف بحكومة السلام “تأسيس” إذا تمكنت من ترسيخ وجودها السياسي والمؤسسي وفرض نفسها طرفاً رئيسياً في المعادلة السودانية. كما يتوقع أن تقوم العلاقات المحتملة بين الجانبين على قاعدة المصالح المشتركة والتعاون الأمني والتجاري، بعيداً عن الاستقطابات التي فرضتها الحرب الحالية.

ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو مرتبطاً بمآلات الصراع السوداني ومستقبل التوازنات الإقليمية والدولية المحيطة به. فالدول المجاورة، وفي مقدمتها تشاد، تدرك أن استقرار السودان يمثل ضرورة استراتيجية لأمن المنطقة بأسرها، وأن استمرار الحرب يهدد بتوسيع نطاق الأزمات الإنسانية والأمنية عبر الحدود.

وفي جميع الأحوال، فإن قرار إغلاق القنصلية السودانية في أبشي وطرد القنصل العام يمثل محطة جديدة في مسار التدهور المتواصل للعلاقات بين أنجامينا وسلطة بورتسودان. وإذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء الأزمة، فقد يكون هذا التطور مقدمة لمرحلة أكثر تعقيداً من المواجهة السياسية بين الجانبين، في وقت يشهد فيه السودان والمنطقة تحولات عميقة قد تعيد رسم خريطة التحالفات والعلاقات الإقليمية خلال السنوات المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.