Fajr Press

بين البيروقراطية والترحيل .. كيف تحوّل انتظار الإقامة إلى كابوس يلاحق اللاجئين السودانيين في مصر؟

القاهرة - فجر برس

لم يعد الحصول على تصريح إقامة في مصر مجرد إجراء إداري بالنسبة لآلاف اللاجئين السودانيين، بل أصبح فاصلاً بين الحرية والاحتجاز، وبين الحماية القانونية وخطر الترحيل. فبينما ينتظر كثيرون مواعيد لتجديد إقاماتهم تمتد إلى سنوات، تتهم منظمات حقوقية السلطات المصرية باعتقال لاجئين وطالبي لجوء وترحيلهم استناداً إلى انتهاء صلاحية وثائق الإقامة، رغم أن التأخير يعود إلى الإجراءات الحكومية نفسها.

وفي السياق رسم تقرير حديث أصدرته منظمة “هيومن رايتس ووتش” صورة قاتمة لأوضاع اللاجئين في مصر، معتبراً أن السياسات الحالية خلقت فراغاً قانونياً جعل آلاف الأشخاص، ومعظمهم من السودانيين الفارين من الحرب، عرضة للاعتقال والاحتجاز والترحيل، في وقت تستعد فيه الحكومة لتطبيق نظام لجوء جديد ينقل مسؤولية تحديد صفة اللاجئ من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى السلطات المصرية.

ويفرض النظام المصري على اللاجئين وطالبي اللجوء تجديد تصاريح الإقامة بصورة دورية، إلا أن تراكم الملفات داخل الجهات الحكومية أدى إلى تأخير المواعيد بشكل غير مسبوق، حيث حصل بعض اللاجئين على مواعيد تمتد حتى عام 2028.

وبحسب التقرير، فإن هذا التأخير لا يمنح أصحابه أي حماية قانونية، إذ يجد كثير منهم أنفسهم في مواجهة السلطات الأمنية بسبب انتهاء صلاحية الإقامة، رغم امتلاكهم وثائق تثبت تسجيلهم لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو حصولهم على مواعيد رسمية لتجديد الإقامة.

وتقول منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن اللاجئين أصبحوا يدفعون ثمن خلل إداري لا يتحملون مسؤوليته، حيث يتحول انتهاء صلاحية الوثائق إلى مبرر للاعتقال، بينما تعجز الجهات المختصة عن توفير مواعيد التجديد في الوقت المناسب.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع دخول قانون اللجوء المصري رقم (164) لسنة 2024 حيز التنفيذ، وهو أول قانون ينظم إجراءات اللجوء بصورة مستقلة في البلاد.
وينص القانون على إنشاء “اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين”، التابعة لرئاسة مجلس الوزراء، لتتولى مستقبلاً مسؤولية دراسة طلبات اللجوء، بعد أن ظلت هذه المهمة لأكثر من سبعين عاماً بيد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

غير أن منظمات حقوقية ترى أن القانون الجديد يثير مخاوف واسعة، إذ يمنح اللجنة الحكومية صلاحيات تقديرية كبيرة، ولا يتضمن نصاً صريحاً يحظر الإعادة القسرية، كما أنه لا يقدم ضمانات كافية لحماية طالبي اللجوء خلال فترة دراسة ملفاتهم.

ورغم صدور اللائحة التنفيذية للقانون، فإنها – وفق التقرير – لم توضح كيفية التعامل مع عشرات الآلاف من الملفات المتراكمة، أو آليات انتقال المسؤوليات من المفوضية إلى اللجنة الجديدة، الأمر الذي يزيد حالة الغموض التي يعيشها اللاجئون.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، أصبحت مصر إحدى أهم وجهات الفارين من النزاع، واستقبلت مئات الآلاف من السودانيين الباحثين عن الأمان.
لكن تزايد أعداد الوافدين، بالتزامن مع بطء الإجراءات الإدارية، أدى إلى تضخم قوائم الانتظار الخاصة بالإقامة واللجوء، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أوضاع السودانيين المقيمين في البلاد.

وأجرت “هيومن رايتس ووتش” مقابلات مع 19 لاجئاً وطالب لجوء من السودان وجنوب السودان وإريتريا وإثيوبيا، خلصت من خلالها إلى أن كثيراً منهم باتوا يعيشون تحت تهديد دائم بالاعتقال، رغم التزامهم بالإجراءات القانونية.

وتنقل المنظمة شهادة لاجئ سوداني يبلغ من العمر 29 عاماً، يحمل بطاقة تسجيل صادرة عن مفوضية اللاجئين، لكنه حصل على موعد لتجديد الإقامة في عام 2027. ويصف الرجل حالته قائلاً إنه يبدأ يومه بالدعاء أن يعود سالماً إلى منزله، لأنه لا يعلم إن كان سيتعرض للتوقيف أثناء تنقلاته اليومية.

وتلخص هذه الشهادة حجم القلق الذي يعيشه آلاف اللاجئين الذين يجدون أنفسهم عالقين بين انتظار طويل للإجراءات الحكومية، وبين احتمال الاحتجاز في أي لحظة بسبب غياب إقامة سارية.

ويرصد التقرير ما وصفه بتصاعد حملات الاعتقال منذ أواخر عام 2025 واستمرارها خلال عام 2026، حيث تقول المنظمة إن السلطات كثفت عمليات التوقيف بحق اللاجئين وطالبي اللجوء، مستندة في كثير من الحالات إلى انتهاء صلاحية الإقامة فقط.

ويشير التقرير إلى إقامة حواجز أمنية في أحياء يقطنها لاجئون بأعداد كبيرة، إضافة إلى توقيف أشخاص أثناء ذهابهم إلى أعمالهم أو أثناء قضاء احتياجاتهم اليومية.

وتضيف المنظمة أن عدداً من المنظمات الحقوقية تحدث أيضاً عن تعرض اللاجئين السود لتوقيفات تقوم على أساس التنميط العرقي، وهو ما يثير مخاوف إضافية بشأن طبيعة هذه الحملات.

وفي إحدى الشهادات، تروي امرأة سودانية تبلغ من العمر 55 عاماً أنها أوقفت في أحد شوارع القاهرة، وأبرزت بطاقة المفوضية وجواز سفرها، إلا أن الشخصين اللذين استوقفاها أكدا لها أن المطلوب هو تصريح الإقامة فقط، وليس أي وثيقة أخرى.

ولا تتوقف المخاوف عند حدود الاعتقال، إذ يوثق التقرير شهادات لمحتجزين تحدثوا عن أوضاع صعبة داخل أماكن الاحتجاز.

وقال عدد ممن أجريت معهم مقابلات إنهم احتجزوا في غرف مكتظة، مع نقص في الطعام ومياه الشرب النظيفة، وحرمان من الاستحمام لفترات طويلة، فيما أفاد بعضهم بتعرضه أو مشاهدته حالات اعتداء جسدي على محتجزين.

وتتقاطع هذه الإفادات مع تقارير أخرى تحدثت عن وفاة عدد من طالبي اللجوء السودانيين داخل مراكز الاحتجاز خلال الأشهر الماضية، إضافة إلى شكاوى بشأن الاكتظاظ وسوء الظروف المعيشية.

ومن أكثر النقاط إثارة للقلق، بحسب التقرير، ما يتعلق بعمليات الترحيل وتقول “هيومن رايتس ووتش” إنها وثقت حالات جرى فيها ترحيل لاجئين أو طالبي لجوء دون إجراء تقييم فردي للمخاطر التي قد يتعرضون لها في حال إعادتهم إلى بلدانهم.

وكان خبراء أمميون قد أعربوا في وقت سابق عن قلقهم من تقارير تحدثت عن تنفيذ عمليات ترحيل من دون دراسة احتمالات تعرض المرحلين للاضطهاد أو الخطر، وهو ما قد يتعارض مع مبدأ “عدم الإعادة القسرية”، الذي يعد أحد أهم المبادئ في القانون الدولي الخاص باللاجئين.

وتؤكد المنظمة أن مصر، بصفتها طرفاً في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 واتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1969، ملزمة باحترام هذا المبدأ وعدم إعادة أي شخص إلى مكان قد يواجه فيه خطراً على حياته أو حريته.

وفي ضوء هذه التطورات، دعت “هيومن رايتس ووتش” السلطات المصرية إلى وقف الاعتقالات التعسفية وترحيل اللاجئين وطالبي اللجوء بسبب انتهاء تصاريح الإقامة، والعمل على تعديل قانون اللجوء بما يضمن إدراج مبدأ عدم الإعادة القسرية بصورة واضحة.

وطالبت باستحداث وضع قانوني مؤقت يحمي اللاجئين الذين ينتظرون مواعيد الإقامة، حتى لا يتحول التأخير الإداري إلى سبب لفقدان حريتهم أو تعرضهم للترحيل.

ودعت المنظمة أيضاً إلى تنفيذ انتقال تدريجي ومدروس لمسؤوليات اللجوء بين المفوضية والسلطات المصرية، بالتعاون مع المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني، بما يضمن عدم انقطاع الحماية القانونية عن اللاجئين خلال المرحلة الانتقالية.

وتعكس الأزمة الحالية تحدياً معقداً تواجهه مصر في ظل الزيادة الكبيرة في أعداد اللاجئين والضغوط الواقعة على مؤسساتها، غير أن المنظمات الحقوقية تؤكد أن هذه التحديات لا تعفي الدولة من الالتزام بالقانون الدولي، ولا تبرر تعريض طالبي اللجوء لخطر الاحتجاز أو الإعادة إلى مناطق قد تهدد حياتهم.

وبين انتظار يمتد لسنوات، وإجراءات قانونية لم تكتمل بعد، يبقى آلاف اللاجئين السودانيين عالقين في منطقة رمادية، لا هم قادرون على استكمال أوضاعهم القانونية، ولا هم بمنأى عن خطر الاعتقال أو الترحيل، لتظل البيروقراطية، وفق ما تصفه المنظمات الحقوقية، أحد أبرز العوامل التي تعمق هشاشة أوضاعهم وتضع مستقبلهم على المحك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.