في تحذير يحمل أبعادًا اقتصادية وإنسانية، دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان الدول والشركات والأطراف العاملة في تجارة الصمغ العربي السوداني إلى الالتزام بالقانون الدولي، مؤكدة أن العائدات المتأتية من هذه التجارة قد تسهم في تمويل واستمرار النزاع المسلح الذي يشهده السودان منذ أكثر من ثلاث سنوات.
ويأتي التحذير الأممي في وقت يواصل فيه السودان الانزلاق في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، نتيجة الحرب المستمرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهي حرب خلّفت ملايين النازحين واللاجئين، وأحدثت دمارًا واسعًا في المدن والقرى والبنية التحتية، كما ألقت بظلالها الثقيلة على القطاعات الاقتصادية الحيوية، وفي مقدمتها قطاع الصمغ العربي الذي يمثل أحد أهم الموارد الاستراتيجية للبلاد.
ويُعد السودان المنتج الأكبر عالميًا للصمغ العربي، إذ يوفر نحو 80% من الإنتاج العالمي لهذه المادة الطبيعية التي تُستخلص من أشجار الهشاب والسنط (الأكاسيا)، وتدخل في تصنيع مئات المنتجات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل، فضلًا عن استخدامها في المشروبات الغازية والحلويات والأدوية والمكملات الغذائية، ما يجعلها سلعة ذات أهمية كبيرة في سلاسل الإمداد العالمية.
وتكمن أهمية الصمغ العربي في كونه موردًا اقتصاديًا رئيسيًا يوفر مصدر دخل لآلاف الأسر السودانية، خاصة في المناطق الريفية الواقعة ضمن ما يُعرف بـ”حزام الصمغ العربي”، الممتد عبر ولايات كردفان ودارفور وأجزاء من النيل الأزرق وسنار.
غير أن استمرار الحرب حوّل هذه الثروة الطبيعية إلى مورد تتنافس عليه أطراف النزاع، وسط مخاوف متزايدة من استغلال عائداته في تمويل العمليات العسكرية.
ووفقًا لما أوردته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فإن كميات كبيرة من الصمغ العربي جرى نقلها من مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، قبل تهريبها عبر دول مجاورة وإعادة تصديرها باعتبارها منتجات محلية لتلك الدول، وهو ما يجعل تتبع مصدرها الحقيقي أمرًا بالغ الصعوبة، ويثير تحديات كبيرة أمام الشركات المستوردة الراغبة في ضمان سلامة سلاسل التوريد.
وأشار التقرير كذلك إلى أن كميات أخرى من الصمغ العربي نُقلت من مناطق تخضع لسيطرة القوات المسلحة السودانية إلى مدينة بورتسودان، حيث يجري تجهيزها للتصدير إلى الأسواق الخارجية، في مشهد يعكس تعقيد واقع التجارة في ظل الانقسام العسكري والسياسي الذي تعيشه البلاد.
ورغم أن الصمغ العربي ظل لعقود سلعة مدنية بعيدة عن التجاذبات السياسية، فإن استمرار الحرب ألقى بظلاله على هذه التجارة، مع تزايد المخاوف من أن تتحول إلى مصدر تمويل غير مباشر للأطراف المتحاربة، سواء من خلال الضرائب والإتاوات المفروضة على المنتجين والتجار، أو عبر السيطرة على طرق النقل والتصدير.
وأكدت المفوضية أن الشركات العاملة في هذا القطاع قد تواجه مخاطر تتعلق بحقوق الإنسان إذا لم تتحقق من مصادر المواد الخام التي تعتمد عليها، مشيرة إلى أن سلاسل التوريد المرتبطة بمناطق النزاع قد تجعل المؤسسات التجارية عرضة للمساءلة بشأن التزامها بالمعايير الدولية الخاصة بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان.
ولفت التقرير إلى أن العاملين في إنتاج الصمغ العربي لم يكونوا بمنأى عن تداعيات الحرب، إذ تعرض العديد منهم لتهديدات أمنية وأعمال نهب واسعة استهدفت المحاصيل والمخازن ووسائل النقل، وهو ما أدى إلى تقويض مصادر رزق آلاف الأسر التي تعتمد بشكل مباشر على إنتاج هذه المادة وتسويقها.
وفي هذا السياق، دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الشركات الدولية إلى الاضطلاع بمسؤولياتها تجاه احترام حقوق الإنسان، مشددًا على ضرورة التأكد من أن أنشطتها التجارية لا تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الانتهاكات أو في إطالة أمد النزاع.
وقال تورك إن الشركات “لا يمكنها مواصلة أعمالها كالمعتاد عندما تعتمد على سلاسل توريد متأثرة بالنزاعات”، داعيًا إلى إجراء عمليات تدقيق شاملة وفعالة لمصادر المواد الخام، بما يضمن الامتثال للمعايير الدولية ويحد من مخاطر تمويل النزاعات المسلحة.
ويعكس هذا الموقف الأممي تنامي الاهتمام الدولي بمسألة “سلاسل التوريد المسؤولة”، خاصة بالنسبة للسلع الاستراتيجية القادمة من مناطق تشهد نزاعات مسلحة، حيث باتت الشركات العالمية مطالبة بإثبات أن منتجاتها لا ترتبط بانتهاكات حقوق الإنسان أو بتمويل الجماعات المسلحة.
وأشار التقرير، بحسب ما نقلته وكالة رويترز، إلى حادثة بارزة وقعت في مايو 2025، عندما أفادت تقارير بقيام قوات الدعم السريع بنهب “بورصة الصمغ العربي” ومستودعاتها وأجزاء من السوق بمدينة النهود، إحدى أبرز المدن المنتجة للصمغ العربي في غرب السودان، وهو ما تسبب في خسائر اقتصادية كبيرة وألحق أضرارًا مباشرة بسبل عيش السكان المحليين.
وتُبرز هذه الحادثة حجم التحديات التي تواجه المنتجين والتجار في مناطق الإنتاج، حيث لم تعد المخاطر تقتصر على تعطل النشاط الاقتصادي، بل امتدت إلى فقدان المحاصيل والمخازن والبنية التجارية التي يعتمد عليها آلاف العاملين في هذا القطاع الحيوي.
ويحذر مراقبون من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى مزيد من الاضطراب في تجارة الصمغ العربي العالمية، خاصة في ظل اعتماد العديد من الصناعات الدولية على الإمدادات القادمة من السودان، الأمر الذي قد يدفع الشركات إلى البحث عن بدائل أو تعزيز آليات التحقق من مصادر التوريد، رغم محدودية البدائل القادرة على تعويض الإنتاج السوداني.
وفي المقابل، يرى خبراء أن حماية هذا القطاع تتطلب قبل كل شيء توفير بيئة آمنة للمنتجين، وضمان حرية حركة التجارة بعيدًا عن سيطرة أطراف النزاع، إلى جانب تعزيز آليات الشفافية والتتبع بما يحافظ على مكانة السودان بوصفه المنتج الأول عالميًا للصمغ العربي.
وبينما تتواصل الحرب دون مؤشرات واضحة على قرب انتهائها، يبقى الصمغ العربي نموذجًا معبرًا عن الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الموارد الطبيعية من مصدر للتنمية ودعم المجتمعات المحلية إلى عنصر يثير مخاوف دولية بشأن ارتباطه باستمرار النزاعات المسلحة. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تتزايد الدعوات إلى تعزيز المسؤولية المشتركة بين الحكومات والشركات والمؤسسات الدولية لضمان ألا تتحول التجارة في هذه السلعة الاستراتيجية إلى عامل يغذي الحرب، بل إلى رافعة للتعافي الاقتصادي والاستقرار في السودان.