Fajr Press

ذهب السودان تحت الحصار الأوروبي.

متابعات - فجر برس

في خطوة تعكس تصاعد القلق الأوروبي من استمرار الحرب في السودان، أقر مجلس الاتحاد الأوروبي حزمة جديدة من الإجراءات التقييدية تستهدف ما وصفه بـ”اقتصاد الحرب”، في محاولة للحد من مصادر تمويل النزاع وتقليص الموارد التي تسهم في إطالة أمد القتال.

وتمثل هذه الإجراءات تحولاً لافتاً في نهج العقوبات الأوروبية، إذ تنتقل من التركيز على الأفراد والكيانات إلى استهداف قطاعات اقتصادية تعد من أهم روافد التمويل للأطراف المتحاربة.

وتأتي هذه الخطوة في وقت يواصل فيه السودان الغرق في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع استمرار المواجهات المسلحة واتساع نطاق الانتهاكات ضد المدنيين، وسط تعثر الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو إطلاق مسار سياسي ينهي الحرب.

وتتضمن التدابير الجديدة حظراً على شراء أو استيراد أو نقل الذهب ذي المنشأ السوداني إلى دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب حظر بيع أو توريد أو نقل أو تصدير مادتي الزئبق والسيانيد إلى السودان، وهما من أهم المواد الكيميائية المستخدمة في عمليات استخراج الذهب ومعالجته، كما تشمل العقوبات حظر تقديم الخدمات المرتبطة بهذه الأنشطة، مثل المساعدة الفنية وخدمات الوساطة والدعم المالي.

ويستند القرار الأوروبي إلى قناعة متزايدة بأن الذهب أصبح أحد أبرز مصادر الإيرادات التي تعتمد عليها الأطراف المتحاربة في تمويل عملياتها العسكرية، وأن الحد من حركة تجارة الذهب، إلى جانب تقييد وصول المواد المستخدمة في التعدين، يمكن أن يسهم في تقليص الموارد المالية التي تغذي النزاع.

ويعكس هذا التوجه تحولاً في فلسفة العقوبات الأوروبية، التي باتت تستهدف البنية الاقتصادية للنزاعات المسلحة بدلاً من الاقتصار على معاقبة المسؤولين السياسيين أو العسكريين.

ويهدف هذا النهج إلى تقليص قدرة أطراف الحرب على الاستمرار في القتال من خلال إضعاف مصادر التمويل التي تعتمد عليها.

ورغم تشديد القيود، حرص الاتحاد الأوروبي على إدراج استثناءات إنسانية ضمن القرار، إذ لا تشمل القيود المفروضة على الزئبق والسيانيد السلع المخصصة للأغراض الإنسانية أو حالات الطوارئ الصحية العامة أو الاستجابة للكوارث، في محاولة لتجنب أي آثار قد تعرقل العمليات الإنسانية أو تزيد من معاناة المدنيين.

ويؤكد مجلس الاتحاد الأوروبي أن هذه التدابير تأتي في إطار استجابة أوسع للأزمة السودانية، التي تسببت في أوضاع إنسانية كارثية، مع نزوح ملايين الأشخاص داخل البلاد وخارجها، وتدهور الخدمات الأساسية، وتفاقم أزمة الأمن الغذائي، فضلاً عن تصاعد الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

ولا تنفصل العقوبات الجديدة عن المواقف السياسية التي تبنتها المؤسسات الأوروبية خلال الأشهر الماضية تجاه الحرب في السودان. فقد سبق للبرلمان الأوروبي أن أدان، بأغلبية كبيرة، ما وصفه بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في البلاد، معتبراً أن استمرار الانتهاكات بحق المدنيين يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وحظي قرار البرلمان الأوروبي بتأييد واسع، بعدما صوّت لصالحه 476 نائباً مقابل معارضة 28 نائباً، فيما امتنع 96 عضواً عن التصويت، وهو ما يعكس وجود توافق سياسي داخل الاتحاد الأوروبي بشأن ضرورة تكثيف الضغوط على الأطراف المتحاربة، بالتوازي مع تعزيز الدعم الإنساني للمدنيين.

وشدد البرلمان الأوروبي، في قراره، على ضرورة أن يرفع الاتحاد الأوروبي مستوى مساعداته الإنسانية المخصصة للسودان بصورة عاجلة، مع توفير تمويل مباشر للمنظمات المحلية العاملة في الخطوط الأمامية، ولا سيما تلك التي تقدم الخدمات الطبية والإغاثية في المناطق المتضررة من القتال.

ودعا النواب الأوروبيون إلى إنشاء ممرات إنسانية آمنة تضمن وصول المساعدات إلى المحتاجين، وتمكن المدنيين من الإجلاء من مناطق النزاع، في ظل استمرار القيود الأمنية التي تعيق وصول الإغاثة إلى العديد من المناطق، وتفاقم معاناة السكان.

وفي الجانب الحقوقي، طالب البرلمان جميع الأطراف المتحاربة بوقف الهجمات التي تستهدف المدنيين، ووضع حد لأعمال العنف، بما في ذلك العنف الجنسي والانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق النساء والأطفال، والعمل على إنهاء المجاعة التي تفاقمت نتيجة استمرار الحرب وتعطل سلاسل الإمداد والإنتاج الزراعي.

ولم يقتصر الموقف الأوروبي على تحميل المسؤولية للأطراف الداخلية، بل امتد ليشمل الجهات الخارجية التي يُعتقد أنها تسهم في استمرار النزاع. فقد دعا البرلمان الأوروبي جميع الدول إلى وقف أي شكل من أشكال الدعم العسكري أو اللوجستي لطرفي الحرب، سواء الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع، بما في ذلك تزويدهما بالأسلحة أو أي وسائل من شأنها إطالة أمد القتال.

وتشير هذه المواقف إلى أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى الجمع بين أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي والإنساني في مقاربته للأزمة السودانية، انطلاقاً من قناعة بأن استمرار تدفق الموارد المالية والأسلحة إلى أطراف النزاع يقلل من فرص التوصل إلى تسوية سلمية.

ويرى مراقبون أن استهداف قطاع الذهب يحمل دلالات خاصة، نظراً للمكانة التي يحتلها هذا القطاع في الاقتصاد السوداني، إذ يمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، كما ارتبط خلال السنوات الأخيرة بشبكات تجارة معقدة وعمليات تهريب عبر الحدود، الأمر الذي جعل عائداته بعيدة عن الرقابة الرسمية في كثير من الأحيان، ومصدراً محتملاً لتمويل النزاعات المسلحة.

ومع ذلك، تبقى فعالية هذه العقوبات مرهونة بمدى قدرة الاتحاد الأوروبي وشركائه الدوليين على الحد من مسارات تهريب الذهب إلى الأسواق العالمية، إضافة إلى تعاون الدول المجاورة للسودان في تشديد الرقابة على حركة التجارة العابرة للحدود، بما يمنع الالتفاف على القيود الجديدة.

وفي الوقت الذي يعول فيه الاتحاد الأوروبي على العقوبات الاقتصادية للضغط على أطراف النزاع، يؤكد استمرار تخصيص المساعدات الإنسانية ودعم المنظمات العاملة داخل السودان، في محاولة للفصل بين الإجراءات العقابية الموجهة لاقتصاد الحرب وبين الاحتياجات الملحة لملايين المدنيين الذين يواجهون أوضاعاً إنسانية متدهورة.

وبين تشديد العقوبات الاقتصادية والدعوات إلى وقف الدعم العسكري وتعزيز الاستجابة الإنسانية، يبعث الاتحاد الأوروبي برسالة مفادها أن استمرار الحرب في السودان لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل أزمة إقليمية ودولية تستدعي تحركاً أكثر صرامة للحد من مصادر تمويل النزاع، وتهيئة الظروف أمام جهود السلام، في بلد يدفع سكانه ثمناً باهظاً لاستمرار الصراع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.