الجنرال ياسر العطا يعيد رسم قيادة الجيش .. هل تعزز الخطوة نفوذ الإسلاميين؟
متابعات - فجر برس
بعد أشهر من التغييرات التي طالت هرم القيادة العسكرية في السودان، عاد ملف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية إلى واجهة النقاش مجددًا، عقب تقرير نشره موقع Africa Intelligence كشف فيه عن سلسلة تعيينات أجراها رئيس هيئة الأركان الجديد، الفريق أول ياسر العطا، شملت عدداً من الضباط الذين تربطهم به علاقات مهنية قديمة، إلى جانب شخصيات عسكرية تُعرف، بحسب التقرير، بقربها من تيار الحركة الإسلامية داخل القوات المسلحة.
ويرى التقرير أن هذه التغييرات لا تقتصر على كونها عملية إعادة تنظيم إدارية داخل الجيش، وإنما تمثل محاولة لإعادة تشكيل مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية، بما يعزز نفوذ القيادة الجديدة ويؤسس لفريق متجانس يتبنى رؤية تقوم على مواصلة الحرب ضد قوات الدعم السريع حتى تحقيق الحسم العسكري، في وقت تتزايد فيه التعقيدات السياسية والعسكرية التي تواجه البلاد.
وبحسب التقرير، فإن ياسر العطا، الذي تولى رئاسة هيئة الأركان في أبريل الماضي خلفاً للفريق أول محمد عثمان الحسين، بدأ سريعاً في إعادة ترتيب القيادة العليا للقوات المسلحة، عبر الدفع بضباط عملوا معه خلال مراحل عسكرية سابقة، فضلاً عن آخرين يوصفون بأنهم قريبون من التيار الإسلامي داخل الجيش.
ويشير التقرير إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن عملية أوسع يقودها القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية في ظل الحرب المستمرة، إلا أن طبيعة التعيينات الأخيرة أثارت تساؤلات بشأن الاتجاه الذي تمضي فيه المؤسسة العسكرية، وما إذا كانت تعكس مجرد إعادة تنظيم داخلية أم أنها تمثل إعادة تمكين لتيار ظل حاضراً داخل الجيش لعقود.
ويعد ملف نفوذ الحركة الإسلامية داخل القوات المسلحة من أكثر الملفات إثارة للجدل في السودان، إذ يرى منتقدون أن الشبكات المرتبطة بالنظام السابق لم تختفِ بالكامل بعد سقوط نظام عمر البشير في عام 2019، وإنما احتفظت بحضورها داخل بعض مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، مستفيدة من طبيعة البنية التنظيمية التي تشكلت خلال العقود الثلاثة التي حكم فيها الإسلاميون البلاد.
وفي المقابل، ينفي مسؤولون في الجيش بصورة متكررة الاتهامات المتعلقة بخضوع المؤسسة العسكرية لهيمنة أي تيار سياسي، مؤكدين أن قرارات التعيين والترقيات تستند إلى اعتبارات مهنية وعسكرية، وأن الهدف الأساسي في المرحلة الحالية هو تعزيز كفاءة القيادة العسكرية في ظل الحرب.
غير أن تقرير Africa Intelligence يربط بين التعيينات الأخيرة والتوجهات السياسية والعسكرية للعطا، الذي يوصف بأنه من أبرز قادة التيار الرافض لأي تسوية سياسية مع قوات الدعم السريع قبل تحقيق انتصار عسكري كامل. ويرى التقرير أن اختيار ضباط يتمتعون بخبرة ميدانية، إضافة إلى علاقاتهم الوثيقة بالقيادة الحالية، يعكس توجهاً نحو تشكيل قيادة أكثر انسجاماً مع هذا الخيار.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الحرب السودانية تحولات متسارعة على المستويين العسكري والسياسي، حيث تسعى قيادة الجيش إلى إعادة بناء هياكلها القيادية بما يتناسب مع متطلبات المواجهة المستمرة، بينما تتعثر في المقابل جهود الوساطة الإقليمية والدولية الرامية إلى التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وإحياء العملية السياسية.
ويرى مراقبون أن أي تغييرات داخل القيادة العسكرية سيكون لها تأثير مباشر على مستقبل الصراع، خاصة إذا أدت إلى تعزيز نفوذ تيار يؤمن بأولوية الحسم العسكري على حساب خيارات التفاوض، وهو ما قد ينعكس على فرص إنهاء الحرب في المدى القريب.
وتثير هذه التطورات أسئلة بشأن مستقبل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية المدنية، في ظل الاتهامات المتبادلة حول النفوذ السياسي داخل أجهزة الدولة، واستمرار الانقسام الحاد بشأن شكل السلطة الانتقالية ومستقبل الحكم في السودان.
وفي هذا السياق، يلفت التقرير إلى أن نجاح الترتيبات الجديدة التي يقودها العطا لن يقاس فقط بمدى إحكام السيطرة على مفاصل القيادة العسكرية، وإنما بقدرة هذه القيادة على تحقيق تقدم ميداني والمحافظة على تماسك القوات المسلحة في ظل حرب طويلة استنزفت الموارد البشرية والعسكرية للبلاد.
ويشير مراقبون إلى أن المؤسسة العسكرية السودانية تواجه تحديات مركبة تتجاوز ساحة القتال، إذ تشمل إعادة تنظيم القوات، وإدارة العمليات في جبهات متعددة، والحفاظ على وحدة المؤسسة وسط الاستقطاب السياسي، فضلاً عن التعامل مع الضغوط الدولية المتزايدة لإنهاء النزاع.
وفي ظل هذه المعطيات، أعاد تقرير Africa Intelligence فتح النقاش حول طبيعة التحولات داخل الجيش السوداني، وما إذا كانت التعيينات الأخيرة تعبر عن إعادة هيكلة عسكرية فرضتها ظروف الحرب، أم أنها تعكس صعود شخصيات محسوبة على تيار بعينه داخل المؤسسة العسكرية.
وحتى الآن، لم يصدر تعليق رسمي من الجيش السوداني بشأن ما أورده التقرير، بينما تبقى طبيعة هذه التغييرات وتأثيرها على مسار الحرب ومستقبل المؤسسة العسكرية موضع متابعة من قبل المراقبين والفاعلين السياسيين داخل السودان وخارجه.