Fajr Press

مصر والكيزان – جعبتان في سروال واحد

كتب - المهندس صديق أندر

لاشك أن السؤال المحيّر ولطالما شغلت العلاقة المصرية – السودانية مساحات واسعة من التأمل والتحليل، لكن ما يجري اليوم على أرض السودان المُبتلى يطرح سؤالاً حائرا ومحيِّراً: هل كانت القاهرة على الدوام حاميةً للسودان أم كانت سياستها تجاه الجارة المُتاخمة لها مجرد امتداد لسياسة تبعيةٍ مُقنَّعة، تهدف إلى إبقاء السودان رهينةً لأجنداتٍ لا تخدم شعبه؟
إن الحرب الأخيرة التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل عام 2023، والتي شنَّ فيها الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان – المدجَّج ببقايا نظام الكيزان – حرباً إباديةً على ثورة الشعب السوداني وقواته المسلحة بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”، لم تكن مجرد صراعٍ على السلطة، بل كانت امتداداً لتاريخٍ طويلٍ من التدخُّل المصريّ المُقنَّع في الشأن السوداني، والذي يكشف اليوم عن وجهه الحقيقي.

جذور العلاقة المريبة
لا يمكن فهم الدور المصريّ الراهن دون العودة إلى تاريخ العلاقة بين البلدين. فمنذ الاحتلال البريطاني للسودان عبر اتفاقية الحكم الثنائي عام 1899، ظلَّت مصر تنظر إلى السودان كـ”حديقتها الخلفية”، لا كدولةٍ مستقلةٍ ذات سيادة. وقد توَّج ذلك النظرة بمشروع “وحدة النيل” الذي دعته جمهورية مصر العربية في عهد جمال عبد الناصر، والذي لم يكن سوى غطاءً لمحاولة ضم السودان تحت المظلة المصرية.
ومع استقلال السودان عام 1956، لم تتغيَّر النظرة المصرية، بل تحوَّلت إلى أدواتٍ أخرى أكثر نُفوراً. فقد لعبت مصر دوراً محورياً في دعم نظام عبود العسكري، ثم في تأجيج الصراعات الداخلية السودانية، وصولاً إلى دعمها المُبطَّن لانقلاب الإنقاذ عام 1989 الذي أتى بالكيزان إلى سدة الحكم.
مصر ونظام الكيزان – تحالف الدم
عندما استولى نظام الإنقاذ – بقيادة عمر البشير والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين – على الحكم في السودان عام 1989، كان ذلك بمباركةٍ مصريةٍ ضمنية. فمصر، التي كانت تحت حكم حسني مبارك آنذاك، رأت في الكيزان حليفاً استراتيجياً يُبقي السودان ضعيفاً ومُتشرذماً، ويمنع قيام دولةٍ سودانيةٍ قويةٍ قد تُنافسها على مياه النيل أو تُعيد النظر في اتفاقية 1959 المجحفة.
لقد قدَّمت مصر للنظام البشيروي كلَّ أشكال الدعم السياسي والأمني والعسكري. فقد استضافت القاهرة قيادات الإخوان المسلمين السودانيين، ووفَّرت لهم غطاءً إعلامياً عبر فضائياتها، وسمحت بمرور السلاح والعتاد عبر أراضيها إلى مليشيات النظام في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. كما شاركت المخابرات المصرية في تدريب “جهاز الأمن” البشيروي على أساليب القمع والتعذيب، حتى أصبح السودان سجناً كبيراً بفضل وصفاتٍ مصريةٍ مجربة.
ثورة ديسمبر المجيدة وخيانة القاهرة

عندما اندلعت ثورة ديسمبر 2018 المجيدة، وأسقط الشعب السوداني نظام البشير بقيادة قوى الحرية والتغيير، كان من الطبيعي أن تتوجَّه الأنظار إلى القاهرة لترى موقفها. لكن مصر، بدلاً من أن تُؤيِّد إرادة الشعب السوداني، سارعت إلى احتضان المجلس العسكري الانتقالي بقيادة البرهان وحميدتي معاً، في محاولةٍ يائسةٍ لإجهاض الثورة.
ومع ذلك، فإن ما حدث لاحقاً كشف عن النوايا الحقيقية للقاهرة. فعندما اشتدَّ الصراع بين المكون العسكري للثورة – ممثلاً في قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي – وبين بقايا نظام الكيزان المتمثلة في الجيش النظامي بقيادة البرهان، لم تتردَّد مصر لحظةٍ في الانحياز الكامل للكيزان غير مبالية بالتصنيف الأمريكي للارهاب. الحرب الأخيرة – مصر تُحارب الشعب السوداني
في الخامس عشر من أبريل 2023، شنَّ البرهان وجيشه المُحتكر من قبل الكيزان حرباً همجيةً على قوات الدعم السريع، في محاولةٍ لإعادة إنتاج نظام الإنقاذ تحت غطاءٍ عسكريٍّ جديد. ومنذ اللحظة الأولى، كانت مصر حاضرةً في هذه الحرب، لكن بشكلٍ خفيٍّ ومُتستِّر.
فقد كشف الفريق أول “حميدتي” في خطابٍ تاريخيٍّ بثَّه في التاسع من أكتوبر 2024، عن تدخُّل مصر المباشر في الحرب. فقد اتهم حميدتي مصر بشنِّ ضرباتٍ جويةٍ على قواته في جبل موية باستخدام طائرات سوخوي وميغ-29 مصرية، وبتزويد الجيش السوداني بطائراتٍ مُسيَّرةٍ حديثةٍ وقنابل أمريكية الصنع. كما أعلن حميدتي عن أسر عددٍ من الجنود المصريين الذين كانوا يقاتلون إلى جانب الكيزان، ووصفهم بـ”المرتزقة”، في إشارةٍ واضحةٍ إلى أن القاهرة لم تكن تدعم الجيش السوداني فحسب، بل كانت تشارك في القتال بجنودها.
ورغم نفي القاهرة لهذه الاتهامات، إلا أن الحقائق على الأرض تتحدَّث بلسانٍ أبلغ. فقد شهد العالم كيف تحوَّلت مصر من “وسيطٍ محايد” إلى طرفٍ فاعلٍ في الحرب، عندما استضافت قمة جوار السودان في يوليو 2023، والتي لم تكن سوى محاولةٍ لتبييض وجه البرهان وتقديمه كـ”حامي للشرعية”، في حين أنه مجرد واجهةٍ لعودة الكيزان.
لماذا تُحارب مصر السودان الجديد؟
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تُحارب مصر الشعب السوداني وثورته؟ الجواب يكمن في أربع حقائق جيو-استراتيجية لا تقبل الجدل:
أولاً: إن مصر تخشى من قيام دولةٍ سودانيةٍ قويةٍ ذات مشروعٍ وطنيٍّ مستقل، قد تُعيد التفاوض حول اتفاقية مياه النيل، وتُهدِّد ما تسمِّيه القاهرة “أمنها المائي”.
ثانياً: إن العلاقة التاريخية بين حميدتي وإثيوبيا – ممثلة في رئيس وزرائها آبي أحمد – تُقلق القاهرة إلى أقصى الحدود، خاصةً في ظلِّ صراع سد النهضة. فمصر ترى في حميدتي حليفاً لإثيوبيا، وبالتالي فإن دعم الكيزان ضدَّه هو دفاعٌ عن المصالح المصرية في مواجهة أديس أبابا.
ثالثاً: إن مصر تعتبر السودان “حديقتها الخلفية”، وترفض أيَّ مشروعٍ سياسيٍّ سودانيٍّ يخرج عن السيطرة المصرية. وقد عبَّر علماء وخبراء وكتاب سودانين عن ذلك صراحةً حين اتهموا مصر بـ”السعي لجعل السودان حديقةً خلفيةً تحت السيادة المصرية”.
إن النظام المصري الحالي يرى في الكيزان – رغم اختلافهم الإيديولوجي الظاهري – حلفاءً طبيعيين في قمع أيِّ ثورةٍ شعبيةٍ، لأن كليهما يخشى من “الربيع العربي” ومن إرادة الشعوب.
جبهةٌ واحدةٌ ضدَّ العدوِّ الواحد
إن ما يجري اليوم في السودان ليس مجرد حربٍ أهلية، بل هو صراعٌ وجوديٌّ بين مشروعين: مشروع الشعب السوداني الذي يريد بناء دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ حديثة، ومشروع الكيزان المدعوم مصرياً الذي يريد إعادة إنتاج الديكتاتورية الدينية بوجهٍ عسكريٍّ جديد.
ولهذا، فإن تصريحات حميدتي الأخيرة – التي هدَّد فيها مصر واتهمها بالتدخُّل المباشر – لم تكن انفعالاً عابراً، بل كانت إعلاناً عن حقيقةٍ تاريخيةٍ مُرَّة: أن مصر والكيزان هما وجهان لعملةٍ واحدة، أو كما يُقال في العامية السودانية: “جعبتان في سروال واحد”.
فالقاهرة، التي تدَّعت الحياد في بداية الحرب، سارعت إلى الانحياز للجيش السوداني بعد أن تباعدت علاقاتها بمشروع تأسيس الوليد، وتحوَّلت إلى داعمٍ رئيسٍ لنظام بورتسودان بكلِّ ما تملك من إمكانيات عسكريةٍ ولوجستيةٍ. وقد أكَّدت ذلك تقاريرٌ دوليةٌ عديدة تحدَّثت عن دعمٍ مصريٍّ غير مُعلنٍ للجيش السوداني، رغم محاولات القاهرة إبقاء مسافةٍ للتفاوض مع حميدتي مستقبلاً.
لا سلامَ دون إبعاد مصر
إن السلام المستدام في السودان الجديد لن يتحقَّق ما دامت مصر حاضرةً في دائرة الحلول الدولية. فالقاهرة ليست وسيطاً نزيهاً، بل هي طرفٌ فاعلٌ في الحرب، وداعمٌ رئيسٌ لبقايا نظام الإنقاذ الإرهابي.
إن المجتمع الدولي، إذا كان جاداً في رغبته بتحقيق السلام في السودان، عليه أن يُبعِد مصر عن أيِّ مفاوضاتٍ أو حلولٍ سياسية. فمصر، بتاريخها الطويل من التدخُّل في الشأن السوداني، وبدعمها المُتواصل للكيزان، قد أثبتت أنها جزءٌ من المشكل، وليست جزءاً من الحل.
إن السودان الجديد – سودان الحرية والكرامة والعدالة – يستحقُّ فرصةً حقيقيةً للبناء دون تدخُّلاتٍ إقليميةٍ مُدمِّرة. وإذا لم تُبعَد مصر عن دائرة الحلول العالمية، فلن نستطيع – بكلِّ تأكيد – تحقيق سلامٍ مستدامٍ في السودان. فالكيزان ومصر، كما أثبتت الأحداث، جبهةٌ واحدةٌ ضدَّ الشعب السوداني، وجعبتان في سروالٍ واحد.

الكاتب: صديق اندر Siddig Ander
صوتٌ سودانيٌّ حر
19يوليو2026م
يوغندا _كمبالا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.