نقد مقال ياسر عرمان .. من وهم الحوار الشامل إلى سؤال الجيش: من يرعى العنف ومن يصنع السلام؟
كتب - عبدالرحمن العاجب
يطرح ياسر عرمان في مقاله حول “المقاربة الجزئية والشاملة للحوار” سؤالاً مهماً حول ضرورة الحوار المباشر مع الجيش، وربط أي تسوية سياسية بوقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية وبناء جيش واحد مهني داخل دولة مدنية ديمقراطية. غير أن المقال، رغم أهمية بعض مقدماته، يقع في مأزق أساسي: فهو يتعامل مع الجيش باعتباره طرفاً يمكن أن يتحول فجأة من لاعب سياسي وعسكري إلى وسيط محتمل في عملية بناء الدولة، من دون أن يضع المؤسسة نفسها تحت مجهر النقد التاريخي الضروري.
المشكلة ليست فقط في أن الجيش يطرح مقاربة “جزئية” كما يقول عرمان، وإنما في أن السؤال الأسبق هو: أي جيش نتحدث عنه؟ ومنذ متى كان هذا الجيش محايداً تجاه الدولة والسياسة والمجتمع؟.
فالجيش السوداني ليس مؤسسة ولدت مع حرب أبريل 2023، ولا بدأت علاقتها بالسياسة مع انقلاب 1989. فمنذ السنوات الأولى للاستقلال تشكلت علاقة مختلة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية. وبعد أحداث أغسطس 1955 والحرب التي تلتها، دخل السودان مساراً طويلاً من عسكرة الدولة والحرب الداخلية، ثم جاء انقلاب إبراهيم عبود في 1958، وانقلاب جعفر نميري في 1969، ثم انقلاب عمر البشير في 1989، قبل أن يعود الجيش إلى قلب السلطة بعد سقوط البشير ثم انقلاب أكتوبر 2021.
وتؤكد الدراسات التاريخية أن علاقة الجيش بالسياسة المدنية ظلت واحدة من أكثر مشكلات الدولة السودانية استعصاءً منذ الاستقلال.
لهذا فإن وصف الجيش بأنه مجرد طرف يحتاج إلى إقناعه بالمقاربة الشاملة لا يكفي. فالمؤسسة العسكرية نفسها جزء من تاريخ الأزمة، وجزء من إنتاجها وإعادة إنتاجها.
الجيش ليس خارج الأزمة
القول إن الجيش هو “الراعي الرسمي لعنف الدولة السودانية” ينبغي فهمه باعتباره توصيفاً سياسياً لمسار تاريخي، لا حكماً بأن كل ضابط أو جندي مسؤول عن كل انتهاك وقع في السودان. لكن الثابت أن الدولة السودانية اعتمدت، بصورة متكررة، على القوة المسلحة في إدارة الخلافات السياسية والنزاعات الاجتماعية والمطالب الإقليمية.
المؤسسة التي يفترض أن تحمي الدستور تحولت في مراحل عديدة إلى أداة للاستيلاء على السلطة أو تثبيت نظم عسكرية. وتاريخ الانقلابات السودانية ليس هامشاً في تاريخ الجيش، بل جزء من علاقته بالدولة. وقد عرفت البلاد ثلاثة انقلابات عسكرية ناجحة في 1958 و1969 و1989، أعقبتها في كل مرة مقاومات شعبية انتهت إلى استعادة الحكم المدني مؤقتاً.
والأكثر خطورة أن تجربة “الجيش الحاكم” لم تكن دائماً منفصلة عن التيارات السياسية. وهنا تأتي القضية التي أغفلها مقال عرمان أو مرّ عليها بخفة: الإسلاميون لم يختطفوا الدولة في 1989 فقط؛ بل أعادوا هندسة قطاعات من المؤسسة العسكرية والأمنية بما يخدم مشروعهم السياسي.
الحديث عن سيطرة الإسلاميين على الجيش منذ انقلاب 1989 لا يعني أن كل ضباط الجيش أصبحوا إسلاميين، ولا أن كل من تخرج بعد ذلك التاريخ ينتمي إلى الحركة الإسلامية. لكنه يعني أن نظام الإنقاذ مارس عملية سياسية وأمنية واسعة لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القوات المسلحة.
وتشير شهادات ضباط وتحقيقات صحفية إلى أن الدفعة 40، التي عُرفت باسم “حماة الدين”، كانت أول دفعة تُستوعب في الكلية الحربية بعد انقلاب الإسلاميين، وأن قبولها ارتبط بالتنظيم الإسلامي، مع انتقال نفوذ التنظيم إلى داخل المؤسسة العسكرية وأجهزتها. كما يربط عدد من الضباط والخبراء بين تلك العملية وبين تسييس الجيش وإضعاف مهنيته.
لكن أهمية هذه الواقعة ليست في الدفعة 40 وحدها. القضية في المسار الذي بدأ بعدها: الإحالة إلى المعاش لأسباب سياسية، إعادة تشكيل العقيدة، تغليب الولاء السياسي، إنشاء التشكيلات الموازية، وتداخل المؤسسة العسكرية مع منظومة اقتصادية وأمنية واسعة.
لذلك لا يكفي أن يقول قادة الجيش اليوم إن المؤتمر الوطني لن يشارك في الحوار. السؤال الحقيقي هو: هل انتهى نفوذ الإسلاميين داخل بنية الدولة العسكرية والأمنية فعلاً، أم تغيرت الأسماء والواجهات فقط؟
لا يمكن بناء جيش واحد من دون تفكيك تاريخ تعدد الجيوش
هنا يلتقي عرمان مع جوهر المشكلة، لكنه لا يذهب بها إلى نهايتها المنطقية.
السودان لم يعانِ فقط من “ضرات” الجيش كما يسميها المقال. بل عانى من منظومة كاملة من القوات والتشكيلات المسلحة التي نشأت أو تضخمت تحت رعاية الدولة أو بسبب عجزها عن بناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة.
الدعم السريع نفسه لم يهبط من السماء. لقد نشأ من بيئة التسليح الأهلي والمليشيات التي استخدمتها الدولة في حروبها، ثم تحول إلى قوة مستقلة ذات نفوذ سياسي واقتصادي وعسكري. وبالمقابل، أدى تسييس الجيش وإضعاف مهنيته إلى إنتاج المزيد من التشكيلات المسلحة بدلاً من حل المشكلة من جذورها. وقد ربطت تحليلات عسكرية وصحفية بين تسييس المؤسسة منذ عهد الإنقاذ وبين أزمة تعدد مراكز القوة المسلحة التي انفجرت في حرب أبريل.
ولهذا فإن شعار “جيش واحد” لا يمكن أن يكون مجرد بند في اتفاق سياسي. إنه مشروع لإعادة بناء الدولة نفسها، وهنا يخطئ مقال عرمان عندما يضع الجيش والدعم السريع والإسلاميين وقوى الثورة في خريطة تفاوضية واحدة، وكأن المشكلة الأساسية هي فقط إيجاد الطاولة المناسبة.
المشكلة أعمق من الطاولة.
فأي حوار مع الجيش يجب أن يبدأ من الاعتراف بأن المؤسسة العسكرية ليست حكماً بين السودانيين، وأن قبولها بالحوار لا يمنحها تلقائياً شرعية سياسية.
الحوار معها مطلوب لإنهاء الحرب، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لإعادة إنتاج حكم عسكري بواجهة مدنية جديدة.
كما أن التقدم العسكري، مهما كان حجمه، لا يصنع حلاً سياسياً. فاستعادة مواقع أو مدن لا تعني نهاية الحرب، والتفوق الميداني لا يجيب عن سؤال الدولة: من يحكم؟ ومن يحتكر السلاح؟ ومن يخضع للمساءلة؟ ومن يقرر مستقبل القوات المسلحة؟
الهدف ليس استبدال الدعم السريع بالجيش، ولا استبدال الجيش بالإسلاميين، ولا إعادة تدوير النخب العسكرية والسياسية نفسها تحت عناوين جديدة.
الهدف هو إنهاء النموذج الذي حكم السودان لعقود: الدولة المسلحة التي تستخدم الجيش والأمن والمليشيات لحماية السلطة بدلاً من حماية المواطن.
ومن هنا فإن الحوار المطلوب ليس حواراً بين جنرالات وقيادات سياسية حول اقتسام السلطة، وإنما عملية سياسية تأسيسية تعيد تعريف وظيفة الجيش وعلاقته بالدولة والمجتمع.
نعم، ينبغي الحوار مع الجيش. ونعم، ينبغي الحوار مع الدعم السريع للوصول إلى وقف الحرب وحماية المدنيين. لكن ينبغي أيضاً الحوار مع القوى المدنية والمجتمعية، ومع ضحايا الحرب، ومع الأقاليم المهمشة، ومع الشباب والنساء، ومع القوى التي دفعت ثمن الانقلابات والحروب.
أما الإسلاميون، فالقضية ليست منعهم من الحياة المدنية لمجرد انتمائهم السياسي، وإنما محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانقلابات وانتهاكات حقوق الإنسان، ومنع إعادة بناء شبكات الدولة العميقة تحت أسماء وواجهات جديدة.
إن السودان لا يحتاج إلى “مقاربة شاملة” فحسب؛ بل يحتاج إلى قطيعة شاملة مع نظام إنتاج العنف السياسي.
وهذه القطيعة تبدأ من الاعتراف بأن الجيش ليس فوق التاريخ، وليس فوق النقد، وليس فوق الدولة.
فالجيش المهني الذي يحلم به السودانيون لا يُبنى بالحوار مع قادته فقط، وإنما بإخضاع المؤسسة العسكرية للقانون والدستور والسلطة المدنية، وتفكيك شبكات التسييس داخلها، وإنهاء تعدد الجيوش، ومحاسبة من ارتكب الجرائم، وإعادة تعريف العقيدة العسكرية حول حماية الشعب والدستور لا حماية السلطة.
عندها فقط يمكن أن يصبح شعار “جيش واحد” أكثر من مجرد شعار، وعندها فقط يصبح السلام المستدام ممكناً.