هل ستُفضي حرب 15 أبريل في السودان إلى تحقيق أجندة الإسلاميين أم إلى تطلعات الشعب في سلام مستدام؟
كتب - ياسر عرمان
هل ستُفضي حرب 15 أبريل في السودان إلى تحقيق أجندة الإسلاميين أم إلى تطلعات الشعب في سلام مستدام؟
الورقة التي قدمها ياسر عرمان
أمام المائدة المستديرة لمركز شاتام هاوس للفكر – لندن
30 سبتمبر 2026
حرب 15 أبريل في سياقها التاريخي:
لم تنشأ حرب 15 أبريل من فراغ، بل هي امتداد للحروب العديدة في السودان منذ أغسطس 1955، والتي تعود جذورها إلى غياب مشروع متماسك لبناء الدولة الوطنية، مشروع قادر على توحيد السودانيين حول المواطنة بلا تمييز، والتنمية الشاملة والديمقراطية، والكرامة للجميع، وهو نموذج يختلف جذرياً عن كل من النظام الكولونيالي والدولة التي تأسست بعد الاستقلال في عام 1956.
وتتسم حرب 15 أبريل بأبعاد نوعية مختلفة عن الحروب السابقة، إذ بدأت في مركز السلطة وسرعان ما امتدت إلى الأطراف والمناطق التي عانت التهميش طويلاً، لتشكل ذروة فشل مشروع بناء الدولة الوطنية.
وإلى جانب تعدد الجيوش والمليشيات تكمن الأسباب الجذرية للحرب في المقام الأول، في انهيار الريف السوداني وبنيته الاقتصادية، وقد تسبب هذا الانهيار في افقار ملايين المواطنين لا سيما من جيل الشباب الذين وجدوا أنفسهم عاطلين عن العمل، ولم يعد أمامهم سوى حمل السلاح والانضمام إلى المليشيات باعتباره الخيار الوحيد المتاح لكسب العيش، وغالباً خارج السيطرة الفعلية للدولة القديمة.
وقد دفع مسار هذه الحروب غضب اجيال تعانى التهميش والإهمال اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، اجيال تم اقصاها من القطاعات الإنتاجية، وحُرمت من الاندماج في الاقتصاد الحديث، وفقدت فرص العمل، وحرمت من إمكانية الحصول على سبل عيش مستدامة.
أما القطاع الحضري فقد تشكل وعانى من التدفق المستمر للسكان من الريف إلى المدن، مما أدى إلى نشوء أحزمة واسعة من المناطق السكنية الفقيرة، وفي الوقت ذاته تلاشت الطبقة الوسطى وحلت محلها نخبة طفيلية تنهب الدولة، وترسخ الفساد واستحوذت على مؤسساتها.
وقد تسارعت هذه العملية بفعل الإسلاميين، وهم أقلية حاكمة سخرت شعارات الإسلام السياسي، بينما مارست الحكم عبر القمع والحروب وإنشاء المؤسسات الموازية والمليشيات.
وكانت النتيجة انتشار الجماعات المسلحة وتفكك القطاع الأمني، بما أدى إلى مزيد من تآكل تماسك الدولة وشرعيتها.
واجه السودانيون في الريف والحضر هذا الواقع بمقاومة حقيقية، وظلوا يناضلون ويحلمون بسلام مستدام وحرية وعدالة، وينادون بالتغيير والتحول الديمقراطي.
إن الحرب الحالية هي نتاج خطة واضحة للجماعة الإسلامية التي دعمت انقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي نفذه الجيش والدعم السريع بصورة مشتركة، وتوحدا من خلاله ضد الانتقال المدني الديمقراطي الذي اتت به ثورة ديسمبر.
وقد ثبت أن ذلك الانقلاب غير قابل للاستمرار، لأنه قام على تحالف بين قوتين تفتقران إلى الانسجام، وتتنافسان على السلطة والموارد، مما أفضى إلى قطاع أمني بلا اتجاه ويمضي نحو مزيد من التفكك، ومع التحريض المستمر الذي مارسه الإسلاميين محاولاتهم المتكررة للعودة إلى السلطة، انتهى هذا المسار إلى اندلاع حرب 15 أبريل.
تداعيات الحرب
١/ الكارثة الإنسانية
إنها أكبر كارثة إنسانية في العالم، أثرت بصورة مباشرة على حياة أكثر من 25 مليون مدني، بين نازح ولاجئ وضحية في المدن والمناطق الريفية الممتدة، كما شملت آثارها جميع ولايات السودان بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
اضافة إلى ذلك دمرت الحرب بصورة منهجية وشاملة مدناً تاريخية ومناطق ريفية مهمة، وشملت الانتهاكات العنف الجنسي ضد النساء، والاعتداءات الجسدية على الأطفال وكبار السن.
وشهدت الحرب استخداماً واسعاً للطائرات المسيّرة والمدفعية الذكية، مما يجعلها واحدة من أولى النزاعات من نوعها بهذا الحجم في القارة الأفريقية.
وقد تسببت في نزوح عدد من الأشخاص يفوق إجمالي سكان لندن الكبرى.
إن أي محاولة لمعالجة الوضع في السودان يجب أن تبدأ بالتصدي للأزمة الإنسانية، وتأمين حق السكان في الحياة وضمان حماية المدنيين بصورة فعالة. كما ينبغي تناول قضايا الحرب والسلام من خلال حزمة متكاملة تعالج الجوانب الإنسانية والسياسية والأمنية معاً.
ولابد أن تكون نقطة البداية هي الوضع الإنساني، إذ لا وجود للسودان من دون شعبه.
لقد لاحظنا وجود محاولات مهمة لمعالجة تداعيات الوضع الإنساني بصورة منفصلة، حيث يركز بعضها على قضايا النازحين، والعنف الجنسي، وتوسيع نطاق حظر السلاح، وكأنها قضايا مستقلة عن بعضها البعض.
وعلى الرغم من أهمية هذه القضايا، فإنها جميعاً من إفرازات الحرب، والطريقة الوحيدة لمعالجتها بصورة جماعية وصحيحة هي وقف الحرب عبر هدنة إنسانية، ثم إنهاؤها من خلال معالجة جذورها وأسبابها الأساسية.
٢/ كيف نحافظ على الدولة السودانية دون إضفاء الشرعية على أطراف الحرب؟
هناك توجه متنام إقليمياً ودولياً نحو الحفاظ على الدولة السودانية ومنع انهيارها، وهو توجه صحيح بالفعل ويتسق مع إرادة الشعب السوداني. لكن ينبغي الحذر من إضفاء الشرعية على أطراف الحرب.
فطرفا النزاع لا يتمتعان بشرعية مستمدة من الشعب السوداني، ولم يكونا في أي وقت اختياراً للشعب، كما ارتكب كلاهما انتهاكات بحق السودانيين وبحق ثورة ديسمبر.
٣/ البعد الإقليمي للحرب وتأثيراتها الجيوسياسية:
يقع السودان في قلب حزام جيوسياسي بالغ الأهمية، يمتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي ومنطقة الساحل المطلة على جنوب أوروبا.
ومن الواضح أن هذه المناطق ذات أهمية بالغة للسلام والأمن، ليس في أقاليمها فحسب، وإنما في العالم بأسره.
وتدخل حرب 15 أبريل تدريجياً في أبعاد إقليمية، وإذا لم نتعامل معها بحذر فقد تمتد إلى دول عديدة في هذا الحزام، لتتحول إلى حرب إقليمية أوسع، إضافة إلى ما يجري بالفعل في الخليج والبحر الأحمر.
٤/ المجاعة والانهيار الاقتصادي والفساد:
هناك مؤشرات واضحة على اقتراب حدوث مجاعة نتيجة عدم زراعة مساحات واسعة من الأراضي الريفية، ولا سيما مشروع الجزيرة، الذي يواجه مشكلات في الري والجفاف، إلى جانب امتداد الحرب إلى المناطق الزراعية الرئيسية في السودان، كما تشهد مناطق من كردفان وشمال دارفور نقصاً حاداً في الغذاء.
وهناك انهيار اقتصادي يشمل التضخم الجامح للعملة السودانية، وشبكات فساد مرتبطة بالحرب تنهب موارد السودان، فضلاً عن عدم كفاية الممرات الإنسانية.
والاستجابة الوحيدة القابلة للتطبيق والفعالة هي التوصل إلى هدنة إنسانية.
إن الأزمة الاقتصادية متعددة الأبعاد، وتتفاقم بفعل تراكم عقود من الركود التنموي والخيارات الاقتصادية الخاطئة، إلى جانب الحروب التي اجتاحت المناطق الريفية السودانية لعقود.
ويؤدي استمرار هذه الحروب دوراً رئيسياً في دفع البلاد نحو نقطة اللاعودة والانهيار الشامل.
٥/ عودة الإسلاميين وتأثيرها على السلام المستدام:
يقف السودان عند مفترق طرق: إما تحقيق سلام مستدام، أو العودة إلى عقود من القمع تحت حكم الإسلاميين.
إن خيار الشعب السوداني واضح وقد عبر عنه في ثورة ديسمبر 2018. فالشعب يتطلع إلى سلام مستدام وعدالة وكرامة للجميع وانتقال مدني حقيقي.
لقد حققت القوات المسلحة السودانية بعض التقدم في مسارح العمليات العسكرية، لكن الحرب لا تزال بعيدة عن نهايتها، ولن تنتهي بالعمل العسكري وحده، فالأسباب الجذرية للحرب لا يمكن معالجتها بفوهات البنادق.
وما نحتاج إليه بدلاً من ذلك هو إطار لبناء الدولة الوطنية، قادر على جمع شعوب السودان المتنوعة ومعالجة العوامل البنيوية التي تقف وراء الصراع.
وسيكون من التهديدات والإخفاقات العميقة أن تتعامل القوات المسلحة السودانية مع مكاسبها الميدانية باعتبارها فرصة تكتيكية لإعادة الإسلاميين إلى الحكم واستئناف عملية الاستيلاء على مؤسسات الدولة.
فالإسلاميون لن يفعلوا سوى إعادة إنتاج حروب الماضي وتهميش أغلبية الشعب السوداني، وتعميق تسييس الدولة، سيما القطاع الأمني، ومواصلة استخدام العنف والقمع ضد السكان المدنيين.
وكما حدث من قبل، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى الإسهام بصورة كبيرة في زعزعة الاستقرار في السودان والمنطقة وما وراءها.
وعليه، فإن إنهاء هذه الحرب بصورة حقيقية وفتح الطريق أمام سلام مستدام يتناقضان بصورة مباشرة مع عودة الإسلاميين، بالنظر إلى سجلهم المعروف.
يحتاج السودان إلى تحول جذري في النموذج السياسي والاجتماعي، وهو تحول لا يمكن تحقيقه في ظل الدكتاتورية.
٦/ بناء قطاع أمني وجيش واحد:
لن يكون هناك استقرار أو تنمية أو ديمقراطية دون بناء قطاع أمني مهني وجيش واحد وموحد.
كما أن ذلك لن يكون ممكناً دون انتقال مدني ديمقراطي.
يجب إنهاء تعدد الجيوش والمليشيات. ويحتاج السودان إلى جيش واحد مهني يعكس تنوع البلاد، ويقبل بالخضوع للسلطة المدنية والتداول السلمي للسلطة.
ويجب حل جميع المليشيات، وإنهاء عقود من الإفلات من العقاب.
٧/ الهجرة والحق في البقاء:
إذا لم يكن للسودانيين الحق في البقاء في بلدهم وعلى أرضهم، فإن ملايين النازحين واللاجئين السودانيين سيجدون أنفسهم مضطرين إلى البحث عن مساحة للعيش في الخارج.
إن الحل الحقيقي للهجرة يكمن في توفير مساحة آمنة للسودانيين داخل وطنهم.
٨/ وحدة السودان وسيادته:
استناداً إلى تجارب الماضي التي أدت إلى استقلال جنوب السودان، يحتاج السودان إلى الحفاظ على وحدته من خلال تبني نظام وطني جديد وأجندة وطنية قادرة على توحيد جميع أبنائه، مع صون سيادته في ظل مشهد جيوسياسي إقليمي ودولي تزداد تحدياته وتعقيداته.
٩/ التعويض وجبر الضرر ورد الحقوق لضحايا الحرب:
ينبغي أن يتضمن اتفاق السلام تعويضات وجبراً للأضرار ورداً للحقوق لملايين ضحايا الحرب في السودان، إلى جانب بناء مؤسسات للتلاحم الاجتماعي قادرة على تقديم الدعم ورعاية الجمعيات التعاونية للمتضررين.
١٠/ ضحايا ولايات الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض وسنار وشمال كردفان:
لم يُبذل سوى القليل لجمع بيانات شاملة عن ضحايا الحرب في ولايات الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض وسنار وشمال كردفان، إلى جانب المناطق السودانية التي شهدت تاريخياً الحروب والإبادة الجماعية.
ومن الضروري أن تعمل منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني على توثيق ضحايا الحرب بصورة منهجية في جميع أنحاء السودان، من أجل إنهاء الإفلات من العقاب وبناء نظام جديد وعادل لجميع السودانيين، لا يتجاهل أي ضحية.
١١/ ثورة ديسمبر لا تزال حية:
تشير جميع الدلائل والأحداث الجارية داخل السودان رغم الحرب، إلى أن إرادة الشعب لم تنكسر. فهناك حالة متنامية من السخط، مع تصاعد الاحتجاجات والإضرابات حتى في خضم الحرب. وتتطور حركة جماهيرية كل يوم، تحمل أحلام وتطلعات ثورة ديسمبر إلى الأمام.
إن أي حسابات تعتمد حصرياً على الوضع العسكري لا مستقبل لها.
فالشرعية الحقيقية تكمن في أيدي الشعب وقوى الثورة والتغيير.
ستنتهي الحرب عاجلاً أم آجلاً، لكن شرعية ثورة ديسمبر وإرادتها ستبقيان بعدها.
١٢/ الطريق إلى الأمام:
أ) مجلسا السلم والأمن الأفريقي ومجلس الأمن الدولي:
إن أقصر طريق ممكن نحو وقف الحرب والسلام، في ظل الظروف المعقدة الراهنة والاستقطاب الإقليمي والدولي، يتمثل في اعتماد قرار مجلس السلم والأمن الأفريقي الداعي إلى وقف فوري لإطلاق النار لأغراض إنسانية في السودان، وطرحه أمام مجلس الأمن الدولي باعتباره مقترحاً أفريقياً.
ومن شأن ذلك أن يجمع الأطراف الأفريقية والعربية والدولية، في ظل الاستقطاب داخل مجلس الأمن، وأن يفتح الطريق أمام تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للتوصل إلى هدنة إنسانية في السودان.
ومن شأن هذه الهدنة أن تحمي المدنيين، وتخضع لمراقبة بعثة سلام دولية، وتوسع الفضاء المدني، وتفتح الباب أمام عملية سياسية ذات مصداقية.
ب) ما المطلوب من الإقليم والمجتمع الدولي؟
إن الخطة التي حظيت بأكبر قدر من التأييد بين السودانيين هي خارطة طريق الرباعية، التي تتناول معالجة الأوضاع الإنسانية، وتؤكد على الانتقال المدني، وترفض عودة الإسلاميين، والجماعات المسلحة للحكم.
هناك تناقضات بين الأطراف الإقليمية والدولية، وينبغي ألا يتحول ما يطلق عليه بأنه نهج “واقعي” إلى وصفة للحلول الهشة والمجزأة تعيد إنتاج الحروب، يجب أن تكون هذه الحرب هي الأخيرة في السودان.
تواجه محاولات دمج الرباعية والخماسية تحديات وينبغي التشاور مع الشعب السوداني بصورة كافية منذ البداية، وسيما مع القوى المناهضة للحرب.
ج) دعوة إلى حوار مباشر بين الجيش والجبهة المعادية للحرب:
هناك حاجة إلى حوار حقيقي بين الجبهة المناهضة للحرب والقوات المسلحة السودانية، ويتطلب ذلك تهيئة المناخ واتخاذ تدابير لبناء الثقة، وينبغي أن يبدأ الحوار فوراً على أرض محايدة خارج السودان.
وفي نهاية المطاف لابد أن يشمل الحوار الدعم السريع وحلفاءه في أقرب وقت ممكن، بهدف رفع المعاناة عن الشعب السوداني، والالتزام بإرادته ومطالبه ونضاله الطويل من أجل انتقال ديمقراطي حقيقي.
30 سبتمبر 2026