Fajr Press

مقال البرهان.. بين الإسقاط والكذب!!

كتب - د. عمر القراي

(فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) صدق الله العظيم

بعد يوم واحد، من ظهور مقال الفريق البرهان، بعنوان (كيف يمكن إحلال السلام في السودان)، بتاريخ 21 سبتمبر 2026م، في مجلة Foreign Policy الأمريكية، واسعة الانتشار، بين المسؤولين والدبلوماسيين، صدر بيان توماس بيغوت، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، بتاريخ 22 سبتمبر 2026 والذي طالب فيه بوقف الحرب، وندد بعدم الوفاء بالهدنة، وأعلن عدم اعترافهم بأي شرعية، لكلا الطرفين المتحاربين.
ولم تقم الحكومة السودانية، بنشر مقال رئيسها، ولم تتناوله في أجهزة الإعلام المحلية، بالشرح، والتحليل، والإشادة. وذلك لأن المقصود به، هم السياسيين الأمريكيين، وليس الشعب السوداني. فخطابات البرهان للسودانيين، خاصة تلك التي تكون في مقار الجيش، تتسم كلها بالعدوانية، والحديث عن استمرار الحرب، حتى يتم القضاء التام على الدعم السريع. ولم يحدث شعبه أبداً، عن ضرورة وقف الحرب، والتوجه إلى السلام.
كتب البرهان، وكأنه مراقب لا علاقة له بما يجري، (مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع أصبحت أكبر أزمة إنسانية في العالم. فقد قتل ما لا يقل عن 59 ألف شخص ونزح أكثر من 14 مليون بينما تركت المجاعة والعنف الجنسي واسع النطاق ملايين الأشخاص في حاجة ماسة إلى الغذاء والدواء والدعم النفسي)!! ألم تكن أنت من بدأ الحرب؟! ألم يقم جيشك، بتوجيهك، بضرب القرى، والأسواق، والبنية التحتية، والمواطنين في المناسبات الاجتماعية، بالطائرات والمسيرات؟! أليس هذا هو سبب القتل، والنزوح، الذي تتحدث عنه؟! وحين تحركت قوى إقليمية للتفاوض، الذي يسوق الى السلام، وتم اتفاق جدة في يوليو 2023م، من الذي انسحب من محادثات جدة؟ ألم تسحب أنت ممثلي الجيش، وظل ممثلو الدعم السريع ينتظرونكم، لتعودوا الى طاولة المفاوضات، ولم تعودوا؟ وحين وقع الدعم السريع، على إعلان أديس أبابا، مع تنسيقية “تقدم” في 2 يناير 2024م، ودعتكم “تقدم” الى التوقيع، على نفس الوثيقة، التي تفضي للسلام، ألم تكن أنت من رفض ذلك؟! وحين وافقت على الجلوس للتفاوض، في “المنامة” بالبحرين، وتم ما عرف باتفاق ” المنامة”، ووقع عليه الفريق الكباشي، نيابة عن القوات المسلحة، وعبد الرحيم دقلو، نيابة عن الدعم السريع، ألم ترفض أنت الاتفاق، وتنكره، وتمنع الحديث عنه، وكأنه لم يحدث أصلاً؟! مع أن عليه شهود إقليميين ودوليين؟ من الذي رفض مبادرة “تحالف تعزيز إنقاذ الأرواح والسلام في السودان” ALPS التي عقدت في جنيف، ولم يذهب إليها؟ أليست حكومتك بتوجيه منك؟!
يقول البرهان في مقاله (إن الحرب في السودان ليست صراعاً بين “فصيلين” أو “حرباً أهلية” فالدولة السودانية ذات سيادة وميليشيا قوات الدعم السريع لا تقفان على قدم المساواة من الناحيتين الأخلاقية والقانونية). والحقيقة أن الجيش، والمليشيات التابعة للإخوان المسلمين، والقوات المشتركة، التي تقاتل معه، كلها مجموعات مسلحة، لا شرعية لها. أما من الناحية القانونية، فإن الدعم السريع أكثر التزاماً بالقانون الدولي. فهو لم يستعمل الأسلحة الكيميائية، المحرمة دولياً، التي استعملها جيش البرهان، وكتائب الحركة الإسلامية. ولم يعذب الأسرى، ويقتلهم، كما فعل الجيش، بل قدم للجيش 537 أسيراً، في مبادرة الشيخ أبو قرون، وقال الجيش إنه لا يريد استلامهم!! وحين جاءت الدعوة العالمية للهدنة، وافق عليها، وأعلن هدنة من جانبه لمدة 90 يوماً، في نوفمبر 2025م لم يستجب لها البرهان!! وأما من الناحية الأخلاقية، فما رصد خلال الحرب، من الجيش، والمليشيات الإسلامية، لا يقارن بما ارتكب الدعم السريع، من انتهاكات. فبقر البطون، وقطع الرقاب بالسواطير، وقتل النساء الحوامل، وفتح بطونهن، ونبش القبور، واستخراج الجماجم، واللعب بها، لم يحدث من قوات الدعم السريع، وحصل من الجيش، ومن مليشيات الإخوان المسلمين!! والإغتصاب، الذي يتحدث عنه البرهان كثيراً، ولا يمل تكراره، لم يرتكبه من الدعم السريع، إلا العناصر التي دسها البرهان فيه، أمثال “كيكل”، وما فعله في الجزيرة.
كتب البرهان (فقادة الدعم السريع – محمد حمدان دقلو “حميدتي” ونوابه المقربون – هم القادة أنفسهم الذين أصدروا الأوامر لميلشيا الجنجويد باغتصاب وقتل المجتمعات غير العربية في دارفور في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين). وهذا ليس مجرد كذب فحسب، وإنما هو اسقاط، وهو مرض نفسي، يجعل المريض ينسب للشخص الذي لا يحبه، كل الأفعال السيئة، التي قام هو بها، مما يحقق له راحة نفسية زائفة، لا تلبث أن تزول، وتعقبها مشاعر محبطة، من احتقار الذات. فالبرهان يعلم تماماً، إن “حميدتي” لم يكن من قواد الجنجويد، بل كان قائدهم هو موسى هلال، الذي احتضنه البرهان، وهو الآن من معاونيه. وهو يعلم أيضاً، أن من قتل القبائل غير العربية، في دارفور، هو الجيش، والبرهان نفسه، كان مشاركاً في تلك الجرائم، إلى جانب موسى هلال، وكوشيب. وحتى في ذلك الوقت، الذي قام بالاغتصابات، واغتصب في قرية “تابت” 200 امرأة، هو حامية من الجيش، وليس الجنجويد!! وبرهان، شخصياً، اتهم بواسطة امرأة، سجلت فيديو، تذكر فيه إنه اغتصب بنت أختها، وقتل أمها، حين هددته بأن تشكوه، وذلك في الفترة التي كان فيها “معتمداً” في “نرتتي” بدارفور، لحزب “المؤتمر الوطني” الحاكم وقتها، والتابع لتنظيم الأخوان المسلمين.
ومما جاء في مقال البرهان قوله (في العام الماضي انتهى حصار الفاشر الذي استمر 30 شهراً بمجزرة جماعية. دمرت أحياء بأكملها وقتلت اسر داخل منازلها وتعفنت جثث في الشوارع دون ان تجد من يدفنها … كما خلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أن الفظائع تحمل “سمات الإبادة الجماعية”). والذي لم يتحدث عنه البرهان، هنا، له أهمية كبرى. لماذا انسحب الجيش من الفاشر، وترك المواطنين، لهذا المصير البشع الذي وصفه؟! ولماذا لم يرسل قوات تفك عنهم الحصار خلال 30 شهراً؟! إن الذي حدث، ولم يذكره البرهان، هو أن الدعم السريع، أعلن عن مسارات آمنة، لخروج المواطنين، المدنيين، غير المسلحين، من الفاشر. ولكن خطة البرهان والإخوان المسلمين، كانت منع المدنيين من مغادرة الفاشر، لاستخدامهم دروعاً بشرية، تختبئ وراءها قواتهم. بل رحلوهم إلى المناطق العسكرية، بحجة حمايتهم، وسلحوا بعضهم، ليقاتلوا معهم مجبرين. ودفعوا بهم في وجه قوات الدعم السريع، عندما اقتحمت المدينة. وحين سقط منهم ضحايا، استغلوا ذلك ليشيطنوا به الدعم السريع!! ثم هم الذين سموا أنفسهم مواطنين، وشهود عيان، وبلغوا “بعثة تقصي الحقائق” أن الدعم السريع قام بحملة “إبادة جماعية”، كما ذكر برهان في مقاله. مع أن حكومة البرهان، هي التي رفضت دخول “بعثة تقصي الحقائق” للسودان ثلاث مرات، حتى يكونوا بعيدين ويمدوهم بالأكاذيب!! والغريب في الأمر أن قادة الدعم السريع الذين كانوا يحاصرون الفاشر من أمثال النور القبة وعلي السافنا هم الآن في صف البرهان ولم نسمع بمحاكمتهم على ما ارتكبوا من جرائم في حق المواطنين بل تم الإغداق عليهم بالرتب العسكرية والأموال.
ومن الإسقاط أيضاً قول البرهان (وفي الوقت الذي تقدم فيه حكومتنا الشرعية خطة يتعهد قائد الميليشيا بمواصلة القتال لمدة 40 عاماً إذا لزم الأمر)، وذلك لأن الذي ذكر أن الحرب ستستمر 40 سنة، هو الفريق ياسر العطا، قائد جيش البرهان. ولقد نقل “حميدتي” تلك المقالة لاتباعه، في أحد لقاءاته، وعلق عليها، بأنهم إذا كانوا يريدون حرباً لمدة 40 سنة، فلتكن كما أرادوا!! فلماذا قلبها البرهان؟ وإذا كان هو لا يريد للحرب أن تستمر، لماذا رفض كل فرص التفاوض والسلام التي ذكرناها؟!ّ
وفي ختام مقاله كتب البرهان (ادعو المجتمع الدولي إلى الالتزام بأربع أولويات: أولاً دعم الخطة التي قدمتها الى مجلس الأمن. ثانياً: قطع التمويل وخطوط الإمداد التي تمكن قوات الدعم السريع من مواصلة قتل المدنيين. ثالثاً: تقديم المساعدة والدعم للأمم المتحدة وهي تراقب أي وقف إطلاق نار مستقبلي. رابعاً: منح السياسة السودانية المجال لتقرر ما سيأتي بعد ذلك.) والمجتمع الدولي ليس مغفلاً، ليقبل كلام البرهان هذا. فالخطة التي قدمها إلى مجلس الأمن، ليست خطة لإقناع طرفين متحاربين بالسلام. فقد طالب فيها بأن يسلم الدعم السريع سلاحه، ويخرج عن كل المناطق التي احتلاها بالحرب، ويتجمع جنوده في أماكن خاصة، يحددها لهم الجيش. وهذه إملاءات منتصر في الحرب، وليست شروط مفاوض على السلام. أما قطع الامداد، وحظر السلاح، فإنه لن يتم للدعم السريع وحده، وإنما على طرفي الصراع. لأن الجيش ايضاً قتل المدنيين. مراقبة الأمم المتحدة يجب أن تكون من خلال منظماتها، مثل “بعثة تقصي الحقائق”، و “لجنة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”، وكلاهما رفض البرهان من قبل دخولهما السودان. ومن يقصد البرهان بالسياسة السودانية التي ستقرر؟! فهو لا يعترف بمكونات “تأسيس”، ولم يدعوها للحوار. وهو قد سبق وفتح بلاغات جنائية، ضد مكونات “صمود”، وحين دعاهم للحوار، ذكر أنه سيعلق الإجراءات الجنائية ضدهم، حتى ينتهي الحوار!! فإن خدع البرهان نفسه، بأن الفلول، وكوادر نظام البشير المخلوع، والإخوان المسلمين، هم الذين سيعيد تدويرهم، كحاضنة سياسية، تعيدهم للحكم مرة أخرى، فبئس ما صوّر له عقله المريض!!

1 أكتوبر 2026م
–

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.