Fajr Press

بين المسيّرات والسلطة: كيف تحوّل الدعم التركي للجيش السوداني إلى ورقة في معركة الإسلاميين؟

خاص - فجر برس

في سماء السودان، لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد سلاح جديد في حرب استنزفت البلاد منذ أبريل 2023، بل أصبحت جزءاً من معادلة سياسية وعسكرية أوسع، تتداخل فيها مصالح القوى المتحاربة مع حسابات دول إقليمية تبحث عن النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وفي قلب هذه المعادلة تبرز تركيا، التي انتقلت علاقتها بالسلطات العسكرية في بورتسودان من التعاون الاقتصادي والسياسي إلى شراكة دفاعية أكثر وضوحاً، في وقت كان فيه الجيش السوداني يوسّع اعتماده على القوة الجوية والمسيّرات لاستعادة المناطق التي فقدها أمام قوات الدعم السريع.

لكن التحقيق في الدور التركي يفرض تمييزاً مهماً بين ما هو موثق وما هو استنتاج سياسي. فلا توجد، حتى الآن، أدلة علنية تثبت أن أنقرة أمرت باستهداف مدنيين أو أن الطائرات التركية وحدها مسؤولة عن الخسائر المدنية. الثابت هو أن أسلحة تركية وصلت إلى الجيش السوداني، وأنها استُخدمت في الحرب، وأن القوات المسلحة السودانية ارتكبت، وفق تقارير دولية، انتهاكات واسعة بحق المدنيين. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: ما مدى مسؤولية الدولة والشركات التي توفر هذه القدرات العسكرية عندما تُستخدم في حرب تدور رحاها داخل المدن والأسواق والأحياء السكنية؟

من السلاح الدقيق إلى الحرب داخل المدن:

تقدم بيانات منظمة Action on Armed Violence (AOAV) صورة قاتمة عن طبيعة الحرب الجوية في السودان. فقد سجلت المنظمة في عام 2024 مقتل وإصابة 4,478 مدنياً جراء العنف بالأسلحة المتفجرة، بزيادة بلغت 70 في المائة عن العام السابق. ووقعت 98 في المائة من هذه الخسائر في مناطق مأهولة، فيما كانت الأسلحة المطلقة من الجو مسؤولة عن نحو نصف الخسائر المدنية.

ولا تعني هذه الأرقام أن جميع الضحايا سقطوا بسبب مسيّرات تركية، وهي نقطة جوهرية ينبغي عدم تجاوزها في أي تحقيق مهني. فقد استخدم الجيش السوداني مزيجاً من الطائرات الحربية والمسيّرات والقنابل، فيما استخدمت قوات الدعم السريع أيضاً المسيّرات والأسلحة الثقيلة. لكن اتساع استخدام القوة الجوية في المناطق المأهولة جعل التمييز بين الهدف العسكري والمدني أكثر صعوبة، ورفع كلفة الخطأ في الاستهداف.

وتوثق الأمم المتحدة نماذج واضحة لهذا النمط. ففي النصف الأول من عام 2025 وحده، تحدثت تقارير أممية عن أكثر من 305 ضربات جوية أو بمسيّرات نسبت إلى الجيش السوداني، أسفرت عن مقتل أكثر من 1,335 مدنياً، بينما نسبت إلى الدعم السريع 95 ضربة جوية أو بمسيّرات أدت إلى مقتل 242 مدنياً. وشملت المواقع المتضررة الفاشر والأبيض ونيالا والخرطوم وأم درمان ومناطق في كردفان.

وتكشف هذه البيانات أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا وحدها، بل في البيئة التي تُستخدم فيها: حرب داخل مدن محاصرة، معلومات استخبارية غير موثوقة، أهداف متداخلة مع السكان، وغياب آليات مستقلة للتحقق من قواعد الاشتباك.

متى دخلت المسيّرات التركية إلى المعركة؟

تشير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن الجيش السوداني بدأ في أواخر نوفمبر 2024 استخدام مسيّرات بيرقدار التركية لاستهداف مواقع للدعم السريع في ولاية الخرطوم.
لكن الأدلة الأهم بشأن حجم التعاون العسكري التركي جاءت من تحقيق نشرته واشنطن بوست في مارس 2025. واستند التحقيق إلى وثائق ورسائل ومقاطع فيديو وسجلات رحلات، وقال إن شركة “بايكار” زودت الجيش السوداني بمعدات عسكرية بلغت قيمتها، وفق الوثائق التي حصلت عليها الصحيفة، نحو 120 مليون دولار على الأقل، شملت طائرات TB2 وذخائر ورؤوساً حربية. كما أظهر التحقيق وجود موظفين من الشركة على الأرض لمتابعة عمليات الطائرات، ونشر أحدهم مقاطع لضربات جوية بعد وصول الشحنات.

وهنا تتغير طبيعة السؤال. فالأمر لم يعد مجرد صفقة تجارية بين دولة وشركة دفاعية، وإنما تعاون يتضمن، بحسب التحقيق، وجوداً فنياً ومتابعة تشغيلية. وإذا ثبت أن معدات أو خدمات أو دعم فني ساهمت في هجمات غير مشروعة ضد المدنيين، فإن المسؤولية لا تعود قضية سياسية فقط، بل تصبح مسألة تستحق التدقيق وفق قواعد المسؤولية الدولية وتدابير العناية الواجبة في تجارة السلاح.

ولا يمكن فهم الدور التركي بمعزل عن سجل الجيش السوداني نفسه، ففي يناير 2025 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان، واتهمت قواته بارتكاب جرائم حرب واستهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية وتنفيذ عمليات إعدام وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.

كما وثقت الأمم المتحدة ضربات للجيش السوداني لم تستوفِ، بحسب المعلومات التي اطلعت عليها، مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات. ففي الفاشر ومحيطها، سجلت الأمم المتحدة في 2024 ضربات جوية نسبت إلى الجيش أسفرت عن مقتل مدنيين، بينها ضربة في مليط قتلت سبعة رعاة، وضربة أخرى قرب الفاشر قتلت 16 مدنياً، وضربة في كبكابية قتلت تسعة مدنيين بينهم ثلاثة أطفال.

والأكثر خطورة أن واشنطن خلصت في أبريل 2025 إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في 2024، وفرضت لاحقاً عقوبات مرتبطة بذلك. وتنفي الحكومة السودانية والجيش هذه الاتهامات، وطالبت الخرطوم بتقديم الأدلة وتشكيل لجنة للتحقيق فيها. لذلك فإن هذه القضية ينبغي التعامل معها بوصفها اتهاماً رسمياً أمريكياً لم يحسمه تحقيق دولي مستقل منشور، لا كحقيقة قضائية نهائية.

تركيا: سلاح ومصالح ونفوذ في البحر الأحمر:

لا تختزل علاقة أنقرة بحكومة الأمر الواقع ببورتسودان في البعد العسكري. فتركيا تنظر إلى السودان باعتباره موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر وبوابة إلى أفريقيا، فيما تربطها بهذه الحكومة مصالح في الزراعة والتعدين والتجارة والدفاع.

وقد حافظ الرئيس رجب طيب أردوغان على اتصالات مباشرة مع البرهان خلال الحرب. وفي أبريل 2025 استقبل أردوغان قائد الجيش السوداني في تركيا، فيما أكدت أنقرة استمرار التعاون بين البلدين، بما في ذلك التعاون في مجال الصناعات الدفاعية. وفي ديسمبر من العام نفسه، جدد الطرفان الحديث عن تطوير التعاون في الدفاع والتعدين والتجارة.

وتشير دراسات متخصصة إلى أن جذور العلاقة أقدم من الحرب الحالية. فقد كانت حكومة عمر البشير، ذات الخلفية الإسلامية، حليفاً مهماً لتركيا وقطر، وأصبحت تركيا بعد سقوط البشير في 2019 إحدى الوجهات التي لجأ إليها عدد من رموز الحركة الإسلامية السودانية. وتذكر دراسة لمعهد الشرق الأوسط أن شخصيات بارزة من الحركة الإسلامية السودانية وجدت ملاذاً في تركيا بعد سقوط النظام السابق.

لكن الربط المباشر بين كل قرار عسكري تركي وبين مشروع لإعادة الإسلاميين إلى السلطة يحتاج إلى قدر أكبر من الأدلة. ما يمكن إثباته هو وجود تقاطع بين ثلاثة مسارات: علاقة تركيا التاريخية بالإسلاميين، استمرار وجود شخصيات إسلامية سودانية في تركيا، وتعاظم التعاون العسكري والسياسي بين أنقرة والقيادة العسكرية السودانية.

الإسلاميون يعودون من بوابة الحرب:

الحرب نفسها أعادت الإسلاميين السودانيين إلى مركز المشهد.
فقد كشفت تقارير صحفية وتحقيقات متعددة عن مشاركة مجموعات إسلامية مسلحة، من بينها لواء البراء بن مالك، إلى جانب الجيش. وفي يوليو 2025 نقلت رويترز عن مصادر وشخصيات إسلامية أن الحركة الإسلامية السودانية تسعى إلى تحويل دعمها العسكري للجيش إلى طريق للعودة السياسية، وأن آلاف المقاتلين المرتبطين بها شاركوا في القتال. كما تحدث التقرير عن تزايد نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة والجيش، رغم نفي المؤسسة العسكرية وجود تحالف سياسي رسمي معهم.

وهنا تظهر المفارقة: الجيش الذي أطاح بحكم البشير عام 2019 وجد نفسه، بعد اندلاع الحرب، يعتمد على قوى كانت جزءاً من النظام السابق. أما الإسلاميون، الذين فقدوا السلطة بعد الثورة، فقد وجدوا في الحرب فرصة لاستعادة شبكات النفوذ والوجود المسلح.

وتشير تحليلات مستقلة إلى أن العلاقة بين الجيش والإسلاميين أقرب إلى تحالف مصلحة منها إلى تطابق أيديولوجي كامل: الجيش يحتاج إلى مقاتلين وشبكات تنظيمية، والإسلاميون يحتاجون إلى مؤسسة عسكرية تمنحهم فرصة للبقاء والعودة إلى المجال السياسي.

وفي هذا السياق، يصبح الدعم الخارجي أكثر من مجرد مساعدة عسكرية؛ إذ يمكن أن يسهم في إطالة عمر ترتيبات سياسية وعسكرية تمنح القوى القديمة فرصة لإعادة إنتاج نفسها.

هل تدعم تركيا عودة الإسلاميين؟

هذه هي أكثر حلقات الملف حساسية، وأقلها قابلية للجزم.
هناك تاريخ موثق للعلاقة بين حكومة أردوغان والحركة الإسلامية السودانية، كما أن تركيا استضافت شخصيات سودانية مرتبطة بالنظام السابق والحركة الإسلامية. وتؤكد دراسات إقليمية أن أنقرة كانت تاريخياً أقرب إلى نظام البشير من خصومه الإقليميين.

لكن لا تتوافر في المصادر العلنية التي أمكن التحقق منها وثيقة تثبت أن الحكومة التركية وضعت خطة معلنة لإعادة الإسلاميين السودانيين إلى السلطة أو أن صفقة المسيّرات التركية اشترطت عودتهم السياسية.

الأكثر دقة هو القول إن الدعم التركي للجيش يحدث في بيئة أصبحت فيها شبكات الإسلاميين جزءاً من القوة الداعمة للجيش، وإن استمرار هذا الدعم العسكري قد يساعد بصورة غير مباشرة على بقاء البنية التي تمنح الإسلاميين فرصة للعودة السياسية.

من يمنع تكرار المأساة؟

تظل تركيا، في النهاية، طرفاً خارجياً يستطيع التأثير لكنه ليس الطرف الوحيد الذي يصنع المأساة السودانية. فالدعم الخارجي يصل أيضاً إلى الدعم السريع، وتوجد اتهامات موثقة أو متنازع عليها بشأن أدوار إقليمية متعددة. لذلك فإن اختزال الحرب في “تركيا ضد السودانيين” يطمس مسؤولية الفاعلين السودانيين أنفسهم، كما يطمس شبكة المصالح الدولية التي تغذي الحرب.

لكن ذلك لا يعفي أنقرة من المساءلة السياسية والأخلاقية. فمجلس الأمن أبقى نظام حظر السلاح الخاص بدارفور، وفرض على الدول الموردة التزامات تتعلق بالعناية الواجبة وتوثيق المستخدم النهائي، فيما يحظر النظام على حكومة بورتسودان القيام برحلات عسكرية هجومية في دارفور.

وبينما تقول تركيا إنها تريد السلام ووحدة السودان، فإن استمرار تدفق القدرات العسكرية إلى أحد طرفي الحرب يضع هذا الخطاب أمام اختبار صعب.
المشكلة ليست في أن تركيا تبيع طائرة مسيّرة متطورة فحسب؛ بل في ما يحدث عندما تصل تلك الطائرة إلى حرب لا تحكمها قواعد واضحة لحماية المدنيين.

في السودان، لا تكمن المعضلة في “أكنجي” وحدها. المعضلة في منظومة كاملة: جيش يستخدم التفوق الجوي لاستعادة الأرض، إسلاميون يستعيدون مواقعهم عبر الحرب، دولة إقليمية ترى في السودان بوابة للنفوذ، وشركات سلاح تجد في النزاع سوقاً مفتوحة، أما المدنيون، فيقفون في نهاية هذه السلسلة بلا طائرات ولا صفقات ولا غرف عمليات. فقط ينتظرون أن يتوقف القصف.

والسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى أنقرة، كما إلى حكومة بورتسودان وكل العواصم المتورطة في تسليح طرفي الحرب، ليس فقط: من يملك السلاح؟ بل: من يتحمل مسؤولية ما يفعله هذا السلاح عندما يسقط فوق بيت أو سوق أو مستشفى؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.