Fajr Press

هل السعودية قلبت ظهر المجنّ لقوات الدعم السريع؟ .. الموقف السعودي إلى أين؟

كتب - صديق أندر

لم تكن مفردة “الميليشيات المنفلتة” التي نطق بها مندوب المملكة العربية السعودية الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبدالعزيز الواصل، من على منبر مجلس الأمن، مجرد زلة لسان دبلوماسية، بل كانت إعلاناً صريحاً عن تحولٍ في الموقف، وصدمةً تلقاها كل من عرف دور قوات الدعم السريع في حماية أمن المملكة.

فبالأمس القريب، لم تكن الرياض ترى في هذه القوات “ميليشيا”، بل كانت تراها درعاً. فمنذ عام 2015، حين استجاب السودان لنداء التحالف العربي، كانت قوات الدعم السريع في مقدمة الصفوف، مرابطة في جبال نجران وجيزان وعسير، تذود عن الحد الجنوبي للمملكة، وتقدم الدم السوداني ثمناً لأمن الأرض السعودية. وقد أشادت القيادة السعودية وقتها بتلك التضحيات علناً.

فما الذي تغيّر اليوم؟

أولاً: من حليف الميدان إلى متهم المنبر

إن السعودية التي استعانت بهذه القوات حين اشتد عليها الخطب، هي ذاتها التي تدينها اليوم بأشد العبارات، واصفة إياها بـ “المنفلتة” و “الإجرامية”. فهل يُعقل أن القوة التي كانت مؤهلة لحماية أقدس أرض، أصبحت بين عشية وضحاها غير مؤهلة لحماية شعبها؟ إن هذا التناقض يكشف أن الموقف لم يعد يُبنى على المبادئ، بل على موازين المصالح الدولية.

ثانياً: لغة الأمم المتحدة ليست قرآناً

تذرعت الرياض بأنها تتحدث بلغة القرارات الأممية 2730 و2786، التي تصنف أي قوة خارج الجيش النظامي كميليشيا. لكننا نسأل: ألم تكن قوات الدعم السريع قوة نظامية بقانون مجاز من البرلمان السوداني، حين كانت تقاتل في اليمن تحت راية التحالف؟ أم أن الشرعية تُمنح وتُسلب حسب الحاجة السياسية؟ إن الاحتماء وراء عباءة الأمم المتحدة لا يخفي حقيقة أن التصنيف انتقائي ومسيس.

ثالثاً: منبر جدة.. حياد الوسيط أم انحياز المستفيد؟

تُقدم المملكة نفسها اليوم كوسيط محايد في منبر جدة، وهذا الحياد يفرض عليها الابتعاد عن شيطنة طرف لصالح الآخر. لكن خطاب مجلس الأمن الأخير أظهر انحيازاً واضحاً، إذ لم يُدن إلا طرفاً واحداً، متجاهلاً انتهاكات الطيران والحصار والتجويع في مناطق أخرى. فهل هكذا يكون الوسيط؟ إن الوسيط الذي يصف أحد طرفي التفاوض بالميليشيا المنفلتة، إنما ينسف أساس التفاوض نفسه.

إننا لا نطلب من المملكة أن تكون منحازة للدعم السريع، بل نطلب منها أن تكون منصفة للتاريخ. فالدم الذي سُفك دفاعاً عن أراضيها لا يجوز أن يُكافأ بالتجريم من على منصة دولية.
إن السعودية اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تحافظ على إرثها كدولة وفية لحلفائها، وتعود للعب دور الوسيط النزيه الذي يحفظ حقوق جميع السودانيين، وإما أن تختار الاصطفاف الكامل وراء رواية الجيش، وتتحمل وزر خسارة ثقة قطاع عريض من الشعب السوداني كان يرى فيها الأخ الأكبر.
التاريخ لا ينسى من حمى الأرض، ولا ينسى من قلب ظهر المجن.

على تأسيس اعادة قراءة ملفات العلاقات الخارجية الان قبل فوات الاوان.

24اغسطس2026م
كمبالا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.