عمسيب هو أحد ناشطي السوشيال ميديا ما بعد الحرب. صحيح أن منبع مرتكز رؤيته ينبع من مخاوف حقيقية لم تخطئها عين، ولكن طريقة الحجج أو الرؤية في مواجهة هذه المخاوف لم تكن تجانب الموضوعية أو مسار التاريخ في نزاع السلطة والثروة.
ما هو الموضوعي وغير الموضوعي في رؤية عمسيب؟
أولًا: ما هو الموضوعي؟
الموضوعي أن عمسيب لاحظ ملاحظة لا تخطئها العين المجردة: تهديد تلاشي مركز القوة السياسية والاجتماعية الذي ظل يستأثر بموارد ورمزية الدولة السودانية ما بعد الاستعمار.
كما لاحظ أن هناك مجتمعات كبيرة كانت مطيعة لرؤية وتوجه الدولة الذي كان قد ساد في السابق بلا مقابل. فهي لم تكن مطيعة فحسب، بل كانت أداة من أدوات فرض سياسات المركز وتوجهه.
ولم تكن أداة فحسب، بل كانت قاهرة لنفسها بلا هوادة أو تردد؛ حينما كان يسيطر على وعيها العقل الخانع أو الخاضع لأي شيء، أو اللامبالي بما يمكن أن ينزل به من عقوبات إذا ما تمرد على خط الدولة المركزية.
أيضًا، لاحظ عمسيب تنامي القوة السياسية والاجتماعية التي خاطرت وتمردت على المركز بعد ١٥ ابريل ٢٠٢٣م
ولم يقف الأمر عند شعوب الجنوب التي انفصلت، أو شعوب دارفور التي خضعت للسياسات وعطلت التغيير الذي بدأ فعليًا قبل ستة عقود ونيف، والذي بدأ في توريد..بل بدأ مره اخري وفي العاصمة الخرطوم وممن يعتقد انهم فعلا من اجهضوا محاولات التغيير في السابق..
بل لاحظ حتى تحايل قوة اجتماعية وعسكرية كانت قد تمردت في السابق على المركز، ثم جاءت وتبنت دور الأداة لتعطيل القوة الأخرى التي عطلت مساعيها سابقًا في التغيير.
هو فعلًا لاحظ كل هذه التحولات و التناقضات.
بل ألمح إلى ملاحظة وأكدها: أن القوة السياسية والاجتماعية التي عصت المركز ما بعد 15 أبريل، كانت أدوات وعطلت مسار التغيير دون أن تطالب بالسلطة أو اقتسامها.
كانوا أدوات فحسب.
ولكن القوة التي عادت من التمرد إلى حضن المركز والدفاع عن بقاء القديم، عادت بأجندتها: أن تكون شريكة في السلطة والثروة، حتى ولو باسم شعوب لا تمثلها فعلًا.
هذا هو المخيف بالنسبة لعمسيب.
لذلك هو يقول إن القوة السابقة التي طلعت في أبريل أرحم وأفضل من القوة الحالية.
ومن هنا اختلق جدل الأصولية: عرب وغير عرب.
هو لا يقصد التمييز في حد ذاتها، ولكن خلق تناقض يسمح لمركزه بإعادة ميزان السيطرة والتحكم.
ورغم أن المطالبة بالسلطة والثروة للشعوب بصورة متساوية أمر طبيعي، إلا أنه عند عمسيب ليس طبيعيًا.
ونتفق معه أنه ليس طبيعيًا بالنسبة للقوة التي انتحلت تمثيل دارفور، وشاركت في الحرب والسلطة والمال وفقًا لهذا المعطى الضروري لمعادلة الحرب.
كذلك يعلم أن القوة العائدة من التمرد إلى الدفاع عن مركزها السلطوي، لها مآربها، وليس حبًا في مركز السلطة في حد ذاته.
لها استحقاق انتقام وعرقلة لتغيير تقوده قوى غيرها؛ لأن من لم يحدث التغيير عبرهم، يجب ألا يحدث عبر غيرهم.
ثانيًا: ما هو غير الطبيعي وغير الموضوعي عند عمسيب؟
غير الطبيعي أن عمسيب يرى فصل الآخرين، من تمردوا ضده أو من لا يشترك معهم في أي شيء، ونسي أو تجاهل أن الطبيعي، الذي يدعو إلى الانفصال، هو الذي يجب أن يقدم فاتورته: مواجهات عسكرية أو سياسية، حتى يكون الأمر ممكنًا.
إذ إن المواجهات التي يقودها الجيش نيابة عن عمسيب هي مواجهات بقاء، وليست مواجهات انفصال، أو يجب أن تكون كذلك.
وفي مرحلة أخرى من الصراع، يجب على عمسيب خوض معارك انفصال خاصة به، أو بالجهة التي يمثلها.
هذا بعد تفكيك المركز البنيوي القديم وإقامة دولة جديدة، حسب اتفاق شعوبها، وبمؤسسات جديدة.
إذا رفض عمسيب ومناصروه هذه الوضعية، فيبقى عليهم الاستعداد لخوض معركة جديدة، ومن حقه أن يسميها معركة انفصال أو أي شيء آخر.
مشروع عمسيب وإشكالية المركز
غير الطبيعي أن مشروع عمسيب يبدو كانتفاضة صغيرة عند أناس قليلين، غير مقنع ولا يقف على ساقين.
فربما يكون ناتجًا عن حالة غضبية، وليس مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا مكتمل الملامح.
والأكثر غرابة أن دعوة عمسيب العربية تأتي في محيط دولة البحر والنهر، حيث يوجد في دولته أناس ليسوا عربًا، لا بالاستعراب ولا بالثقافة.
فهم عائق في كل حال إذا كان يبحث عن الانسجام والمصير المشترك.
ويبدو أن إشكاليات البحر أعمق بكثير من إشكاليات الصحاري والقيزان والأدغال والجبال.