حين تصبح السماء ساحة قتل: طيران الجيش السوداني في مرمى القانون الدولي.
خاص - فجر برس
لم تعد الطائرات الحربية والمسيّرات في السودان مجرد أدوات في معركة عسكرية بين طرفين متنازعين؛ فقد تحولت، وفق تقارير حقوقية وأممية متعاقبة، إلى أحد أكثر مصادر الخطر فتكاً بالمدنيين. وفي أحدث إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي، في 24 أغسطس 2026، وضعت الولايات المتحدة الأمريكية الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة في قلب النقاش حول مستقبل الحرب، محذرة من أن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر لاستمرار التصعيد.
وفي السياق قال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، إن الطائرات المسيّرة المسلحة قتلت أكثر من 1,120 مدنياً سودانياً خلال النصف الأول من عام 2026، بما يعادل نحو 80% من الوفيات المدنية المسجلة خلال الفترة نفسها. كما أشار إلى أن المسيّرات ألحقت أضراراً بالأسواق والمنشآت الصحية وقوافل المساعدات والبنية التحتية الحيوية.
لكن الرقم، على ضخامته، لا يحكي القصة كاملة. فخلف الإحصاءات تقف مدن وأحياء وأسواق ومستشفيات تحولت إلى أهداف في حرب تتجاوز فيها الأسلحة الحديثة خطوط الجبهة، لتصل إلى المناطق التي يعيش فيها المدنيون.
طيران الجيش .. نمط متكرر للقتل:
في إحاطته أمام مجلس الأمن، لم يكتفِ بولس بالإشارة إلى الخسائر الإجمالية التي سببتها المسيّرات، بل ذكر واقعة محددة قال إنها وقعت خلال أغسطس: أكثر من عشر هجمات بطائرات مسيّرة وعمليات مداهمة نفذتها القوات المسلحة السودانية في شمال وجنوب كردفان، بينها هجوم على جبرة الشيخ أدى إلى مقتل خمسة مدنيين، وهذه الإشارة تكتسب أهمية خاصة لأنها تأتي في سياق أوسع وثقته منظمات دولية مستقلة خلال الشهور الماضية.
ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشرته في يونيو 2025، سلسلة غارات نفذتها القوات المسلحة السودانية في مدينة نيالا بجنوب دارفور. وخلصت المنظمة، بعد مقابلات مع ضحايا وشهود وعاملين طبيين وتحليل صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو وبقايا الذخائر، إلى أن غارات 3 فبراير 2025 أصابت مناطق سكنية وتجارية مكتظة، بينها حي الجمهورية وحي السينما وطريق رئيسي في المدينة. وقالت المنظمة إن الهجمات قتلت عشرات المدنيين.
وفي تقييمها، اعتبرت هيومن رايتس ووتش أن استخدام قنابل غير موجهة في مناطق مأهولة جعل تلك الهجمات عشوائية، بسبب محدودية دقتها واتساع آثارها الانفجارية.
ولم تكن نيالا حالة معزولة. ففي ديسمبر 2024، قالت منظمة العفو الدولية إن غارة جوية نسبت إلى القوات المسلحة السودانية استهدفت سوقاً مكتظة في مدينة كبكابية بشمال دارفور، وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص. ووصفت المنظمة الهجوم بأنه قد يشكل جريمة حرب، مؤكدة أن وجود مقاتلين محتملين في المنطقة لا يمنح القوات المهاجمة حق قصف سوق مكتظ بالمدنيين.
وقبل ذلك، وثقت هيومن رايتس ووتش منذ الأشهر الأولى للحرب استخدام القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع أسلحة متفجرة في مناطق مأهولة، بما في ذلك الغارات الجوية والقصف الذي طال المنازل والأسواق والمنشآت الحيوية.
ماذا يقول القانون عندما تسقط القنابل فوق المدنيين؟
الحرب لا تعني سقوط القانون، فالقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني تفرض على جميع أطراف النزاع، أياً كان الطرف الذي بدأ القتال أو يسيطر على الأرض، التمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الهجمات لا يجوز أن توجه إلا إلى أهداف عسكرية، وأن الهجمات العشوائية محظورة، كما يحظر القانون الهجمات التي يُتوقع أن تسبب أضراراً عرضية مفرطة للمدنيين مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة.
وهنا تبرز ثلاث قواعد مركزية: التمييز، والتناسب، والاحتياطات، فالتمييز يعني أن على القوة المهاجمة تحديد هدف عسكري مشروع وعدم توجيه الهجوم إلى المدنيين أو الأعيان المدنية.
ويؤكد القانون الدولي الإنساني العرفي أن الهجمات لا يجوز أن تستهدف الأعيان المدنية، وأن هذا المبدأ ينطبق أيضاً على النزاعات المسلحة غير الدولية، وهي الصفة التي ينتمي إليها النزاع السوداني.
أما التناسب، فيعني أن وجود هدف عسكري مشروع لا يفتح الباب أمام استخدام قوة يعلم المخططون أنها ستوقع خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة.
ثم تأتي قاعدة الاحتياطات: يتعين على الأطراف اتخاذ جميع التدابير الممكنة عملياً للتحقق من طبيعة الهدف، وتقليل الخسائر المدنية، واختيار الوسيلة والتوقيت والأسلوب الذي يقلل الضرر الواقع على المدنيين.
وبالتالي، فإن السؤال القانوني ليس فقط: هل كان هناك مقاتلون في المنطقة؟ بل أيضاً: هل كان الهدف عسكرياً محدداً؟ هل جرى التحقق منه؟ هل كانت الوسيلة المستخدمة دقيقة بما يكفي؟ هل كان متوقعاً أن تصيب العملية مدنيين؟ وهل اتُخذت الاحتياطات اللازمة لتجنب ذلك؟
المدنيين بين المطرقة والسماء:
تكشف الوقائع المتراكمة عن مشكلة أعمق من مجرد أخطاء عملياتية منفصلة. ففي نيالا، تحدثت هيومن رايتس ووتش عن ضرب مناطق سكنية وتجارية بقنابل غير دقيقة. وفي كبكابية، تحدثت منظمة العفو الدولية عن سوق مكتظ بالمدنيين. وفي إحاطة أغسطس 2026، تحدثت الولايات المتحدة الأمريكية عن هجمات جديدة للمسيّرات التابعة للجيش في كردفان وعن مقتل مدنيين في جبرة الشيخ.
وتزداد خطورة هذا النمط مع اتساع استخدام المسيّرات. فهي تمنح الطرف الذي يمتلكها قدرة على ضرب أهداف بعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية، وفي الوقت نفسه تجعل المدنيين في المدن والبلدات ومراكز النزوح والمنشآت الحيوية عرضة لهجمات مفاجئة.
وفي الإحاطة نفسها، قال المسؤول الأميركي إن المدنيين السودانيين أصبحوا يضطرون إلى الاختباء من الطائرات والمسيّرات التي تستهدف مواقع مدنية، فيما تتعرض الأسواق والمنشآت الصحية وقوافل المساعدات والبنية التحتية لأضرار متزايدة.
هذه الصورة لا تعني، من الناحية المهنية أو القانونية، إعفاء قوات الدعم السريع من مسؤوليتها عن الانتهاكات. فقد وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية انتهاكات جسيمة ارتكبتها قوات الدعم السريع وحلفاؤها أيضاً. لكن توثيق جرائم طرف لا يمكن أن يصبح ذريعة للتغاضي عن جرائم الطرف الآخر.
الحرب كخيار سياسي:
الأكثر إثارة للقلق في الموقف الأميركي ليس فقط حجم الخسائر، وإنما الربط المباشر بين استمرار العمليات العسكرية ورفض الانتقال إلى تسوية سياسية، فبولس قال أمام مجلس الأمن إن الجيش والدعم السريع يواصلان إعطاء الأولوية للمكاسب الميدانية والسعي إلى انتصار عسكري بدلاً من الهدنة الإنسانية والمفاوضات، وإن الدعم الخارجي المالي والعسكري والسياسي ما زال أحد محركات الحرب.
وفي هذا السياق، يصبح استمرار الغارات الجوية جزءاً من سؤال أكبر: هل ما يجري هو حرب دفاعية محدودة الأهداف، أم استراتيجية عسكرية مستمرة هدفها حسم الصراع بالقوة؟
لا يمكن الجزم بالنية الجنائية من مجرد وقوع الغارة؛ فالنية ومسؤولية القادة تحتاجان إلى تحقيقات مستقلة في كل واقعة، تشمل الأوامر الصادرة، وطبيعة الأهداف، والمعلومات الاستخباراتية المتاحة، ونوع الذخائر المستخدمة، والنتائج المتوقعة.
لكن القانون الدولي لا يشترط انتظار نهاية الحرب كي تبدأ المساءلة. فإذا ثبت أن هجوماً تعمد استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية، أو كان عشوائياً، أو نُفذ مع العلم بأن الخسائر المدنية المتوقعة ستكون مفرطة، فقد تنشأ مسؤولية جنائية فردية عن جرائم حرب، وفقاً للظروف والأدلة المتوافرة.
ما بعد الإدانة:
المعضلة السودانية لم تعد نقصاً في البيانات عن الانتهاكات. العالم يملك بالفعل سجلاً متراكماً من التقارير والشهادات والصور والتحقيقات، بل المعضلة هي ماذا سيفعل المجتمع الدولي بهذه الأدلة.
مشروع القرار الأميركي المطروح أمام مجلس الأمن يقترح توسيع حظر السلاح من دارفور ليشمل كامل السودان، وتأكيد إدراج المسيّرات وأنظمتها وتقنياتها ضمن نطاق الحظر، وتعزيز فريق الخبراء المكلف بمتابعة العقوبات والتحقيق في انتهاكات حظر السلاح وتجميد الأصول وحظر السفر.
وقد تكون هذه الخطوة اختباراً جدياً لقدرة مجلس الأمن على الانتقال من تسجيل المأساة إلى محاولة الحد من أدواتها، ففي نهاية المطاف، لا يستطيع المدني السوداني أن ينتظر انتهاء الحرب كي يحصل على حقه في الحياة.
كل غارة تضرب سوقاً أو منزلاً أو مستشفى تطرح السؤال نفسه: هل كان الهدف عسكرياً؟ وهل اتخذ المهاجم كل ما يستطيع لتجنب قتل المدنيين؟ وعندما تتكرر الأسئلة نفسها في مدن مختلفة، وعلى مدى سنوات، يصبح من واجب المجتمع الدولي ألا يكتفي بعدّ الجثث.
فالسماء السودانية ليست منطقة بلا قانون، والطائرات الحربية ليست فوق المساءلة. وفي الحرب، كما في السلم، حياة المدني ليست رقماً فائضاً في حسابات الانتصار العسكري.