Fajr Press

تشارلز والبرهان .. لغة الإنسان ولغة الكيزان!

كتب - منعم سليمان

في مفارقة مأساوية لا تجتمع فصولها إلا في الملهاة السودانية الكيزانية، يطل علينا مشهد يختزل بؤس السياسة وانحدار الضمير؛ مشهد يقف فيه ملك بريطانيا – المستعمر القديم – على منبر الإنسانية، بينما يقف قائد الجيش – الوطني المفترض – في خندق الترذل والتسفل والتهديد والوعيد.

من قصر “باكنغهام”، وبعيدًا عن جغرافيا الوجع بآلاف الأميال، تذكّر الملك تشارلز الثالث أن في السودان شعبًا يئن من حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ونفوسًا تُزهق، وأطفالًا ينهشهم الجوع.

لم تكن رسالته إلى الشعب السوداني بمناسبة عيد الاستقلال مجرد بروتوكول روتيني بارد، بل حملت أمنيات دافئة بوقف الحرب وتحقيق السلام، قرأها بلغة تقطر مواساة للمتضررين من آثار الحرب والمجاعة.

وفي مشهد فاضح لهذا التناقض المحزن، بينما كان “الغريب” يواسي ضحايا الحرب بلغة إنسانية، اختار “القريب” أن يخاطب شعبه بلغة الوعيد.

عار أخلاقي يكشف المسافة الشاسعة بين من يرى السودان إنسانًا، ومن لا يراه سوى ساحة حرب!

جاءت كلمة البرهان خالية من أي ذرة أوكسجين أخلاقي، إذ تجاهل تمامًا أنين ملايين المشردين واللاجئين، ولم تخرج من فمه كلمة مواساة واحدة لملايين الجوعى الذين تفتك بهم نيران الحرب التي أشعلتها جماعته من أجل الوصول إلى الحكم.

لم تكن الحرب هي التي يتّمت الأطفال وحدها، بل الخطاب الرسمي الذي تخلّى عنهم قبل أن يتخلّى عنهم العالم.

إنه لخزي وعار أن يشعر ملك بريطانيا بوجع السودانيين، بينما يمعن من يُفترض أنه قائد جيش الوطن في إشاحة وجهه عن أنينهم!

البرهان لا يرى في السودان وطنًا يُبنى، ولا في الشعب السوداني شعبًا يستحق الحياة، بل يراه ساحة رماية لإصابة هدفه وجماعته في الوصول إلى الحكم.

وبينما تحدّث الملك عن إعادة بناء البلاد، تحدّث البرهان عن إعادة تدوير الخراب. وبينما تمنى الملك السلام والاستقرار، وعد البرهان بالمزيد من الدم!

وبدلًا من أن يكون عيد الاستقلال مناسبة لحقن الدماء، حوّله البرهان إلى منصة للوعيد باستمرار الحرب، ومزيد من قرع طبول الموت، جاعلًا من دماء السودانيين وقودًا لبقائه في الكرسي.

الاستعمار سلب السودان موارده، لكن البرهان سلب منه معنى الوطن نفسه؛ ولهذا فهو أخطر من أي مستعمر مر به، وكيزانه أسوأ من كل المستعمرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.