Fajr Press

الجيش السوداني ..  من حارس الدولة إلى أداة تفكيكها.

فجر برس - دراسة بحثية

الجيش السوداني ..  من حارس الدولة إلى أداة تفكيكها.

 

المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية هي منظمة غير حكومية غير ربحية، تأسست في العاصمة الفرنسية باريس عام 2017 على يد مجموعة من اللاجئين الأفارقة . تعمل المنظمة في مجالات العمل الإنساني والتنمية، بهدف تقديم الدعم والإغاثة للمتضررين، والإسهام في بناء سلام دائم. وانطلاقاً من هذا الالتزام، أعدت المنظمة هذه الورقة القانونية للمساهمة في تقديم رؤية حول الجيش السوداني وكشف تاريخه ، انسجاماً مع رسالتها في دعم العدالة وترسيخ مبادئ السلام والحقوق في السودان.

الملخص

تقدم هذه الورقة تحليلاً نقديًا بنيويًا لمسار تشكل الدولة السودانية الحديثة، وتجادل بأن الأزمة الراهنة ليست أزمة انتقال أو حرب أهلية عابرة، بل هي “لحظة تأسيس فاشلة” كُتب لها أن تتكرر. يتبدى هذا الفشل في مفارقة تأسيسية جوهرية: تحولت المؤسسة العسكرية – التي أُنشئت نظرياً لضمان سيادة الدولة ووحدتها – إلى الأداة الرئيسية التي وظفتها النخب الحاكمة في المركز لإعادة إنتاج هيمنتها السياسية والاقتصادية، وترسيخ أنماط بنيوية من الإقصاء والتهميش. لم يقتصر هذا التحول على عسكرة المجال السياسي فحسب، بل امتد إلى إعادة هندسة أدوات العنف ذاتها، عبر تطوير “جيوش غير نظامية” موازية (أبرزها قوات الدفاع الشعبي وكتائب البراء) كآليات حكم غير مباشر. وقد أدت هذه الاستراتيجية إلى تفكيك الدولة من الداخل، وحوّلت تنوع السودان من مورد ثقافي غني إلى ساحة لصراع الهوية والعنف السياسي الممنهج. بناءً عليه، تستنتج الورقة أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق من خلال مبادرات إصلاحية جزئية أو تسويات فوقية، بل يفترض عملية إعادة تأسيس شاملة للدولة، تنطلق من إعادة تعريف العقد الاجتماعي، وفي صميمها إعادة بناء المؤسسة العسكرية لتتحول من عائق بنيوي أمام السلام إلى شرط مؤسسي لتحقيقه.

المقدمة: الجذور البنيوية للأزمة السودانية

يكشف الدور الراهن للجيش السوداني في الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 ضد قوات الدعم السريع، عن تعبير صارخ عن مفارقة تاريخية متجذرة في بنية الدولة السودانية منذ لحظة الاستقلال. فما نشهده اليوم ليس سوى الفصل الأخير (حتى الآن) في سردية طويلة، حيث أخفقت الدولة – عبر كافة أنظمتها المدنية والعسكرية المتعاقبة – في بناء عقد اجتماعي جامع، وتحولت إلى إطار لإعادة إنتاج هيمنة نخبة مركزية ضيقة. في هذا السياق، لا يمكن فهم نشأة قوات الدعم السريع، بوصفها أحد أطراف الصراع الرئيسيين، خارج هذا المسار البنيوي. فهي ليست نتاجاً لانهيار مفاجئ في احتكار الدولة للعنف، بل هي “نتيجة منطقية لاستراتيجية دولة غير معلنة” اعتمدت على تفويض العنف لوكلاء غير نظاميين. لقد شكلت هذه الاستراتيجية، التي بلغت ذروتها في عهد نظام عمر البشير، استمراراً لمنطق “إدارة الهامش بالعنف”، مما مكن النخب الحاكمة من تنفيذ سياسات قمعية ممنهجة في الأطراف مع الاحتفاظ بمسافة تسمح بالتنصل من المساءلة المباشرة.

تبعاً لذلك، يجادل هذا التحليل بأن إخفاق مشاريع السلام المتعاقبة (من أديس أبابا 1972 إلى نيفاشا 2005 وما بعدها) واستدامة أنماط العنف والانقسام، ليسا محض نتاج للتنافس الشخصي بين قادة عسكريين أو صراع على مورد آني. بل هما “نتاج تراكمي” لدور الجيش، بوصفه فاعلاً بنيوياً مركزياً، في تفكيك المجال الاجتماعي والسياسي وتكريس التهميش كأساس للحكم. وعليه، فإن أي مقاربة جادة لمعالجة الأزمة السودانية الراهنة لا بد أن تنطلق من تفكيك هذه المفارقة التأسيسية، والاعتراف بالدور البنيوي الذي اضطلعت به المؤسسة العسكرية في إنتاج الأزمة، لا في إدارتها فقط. ويظل شرط إمكان السلام المستدام مرهوناً بإعادة تأسيس شاملة لمؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش، ليصبح مؤسسة وطنية مهنية خاضعة لسلطة مدنية ديمقراطية في إطار دولة قانون ومواطنة متساوية، لا أداة لإعادة إنتاج الاحتكار والعنف.

1. الجيش السوداني: البنية التاريخية للتهميش وأدوات العنف بالوكالة

منذ الاستقلال عام 1956، لم يُوظف الجيش السوداني بوصفه أداة سيادية محايدة لحماية الدولة فحسب، بل تحول – عبر سلسلة الانقلابات العسكرية (1958، 1969، 1989) – إلى الأداة التنفيذية الرئيسية التي اعتمدت عليها النخب الحاكمة في الخرطوم لفرض هيمنتها وقمع أي تحدٍ لمشروعها المركزي. أدى هذا المسار إلى ترسيخ ما يمكن تسميته “بالتداخل العضوي بين الدولة والسلطة”، حيث جرى اختزال مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش، في أدوات قسرية لخدمة مصالح سلطة بعينها، مما أفقدها حيادها وحولها إلى طرف مباشر في صراعات السلطة. وقد اعتمدت هذه النخب، وخاصة خلال حكم نظام الجبهة الإسلامية القومية/المؤتمر الوطني (1989-2019)، استراتيجية ثلاثية الأبعاد: التهميش الممنهج للأطراف، تفويض العنف لوكلاء غير نظاميين، والاستعانة بأجندات خارجية لضمان البقاء.

1.1 التهميش البنيوي: الإرث المزدوج وتفكيك الهوية
يتمثل الأساس المادي والأيديولوجي للأزمة في سياسة التهميش البنيوي التي مورست ضد المناطق الطرفية. لم تكن هذه السياسة مجرد إهمال تنموي، بل كانت “إستراتيجية وجودية” هدفت إلى تحويل هذه المناطق (جنوب السودان، دارفور، جبال النوبة، النيل الأزرق، شرق السودان) إلى مجرد “مستودعات للموارد” تُستغل لتعزيز اقتصاد المركز. لقد ورثت الدولة الوطنية هياكل الإدارة الاستعمارية التي صممت لخدمة المركز، واستمرت في إعادة إنتاج علاقات القوة غير المتكافئة ذاتها بعد الاستقلال.
امتد التهميش ليشمل الهوية، حيث تم تكريس خطاب ثقافي وسياسي يصور هوية “المركز” (العربي-الإسلامي) على أنها المعيار الوحيد للمواطنة الكاملة، بينما عُولجت الهويات المحلية للأطراف (الإفريقية وغيرها) كهويات دونية أو “مشكلة” يجب حلها عبر عمليات تعريب وأسلمة قسرية. هذا “صراع من أجل الاعتراف” – الاعتراف بالهوية الثقافية المميزة وبالحقوق التاريخية في الأرض والموارد – هو ما غذى السخط البنيوي المزمن وشكل الحاضنة الاجتماعية لنشوء الحركات المسلحة المطالبة إما بإعادة توزيع عادل للسلطة والثروة أو بالانفصال.

1.2 تطور أدوات العنف بالوكالة: من الجنجويد إلى الدولة الموازية
لضبط هذه المناطق “المتمردة” مع تقليل التكاليف السياسية والقانونية المباشرة، انتهجت الدولة، وخاصة في عهد البشير، سياسة ممنهجة لإنشاء وتغذية “جيوش غير نظامية”. هذا المصطلح، كما يطرحه الباحث محمد مكي الطاهر، أكثر دقة من “مليشيات”، لأنه يشير إلى قوات تنشأ داخل إطار الدولة الحديثة ولكنها تتمرد على منطقها الأساسي القائم على احتكار شرعية العنف.
تطورت هذه الظاهرة في دارفور من مليشيات الجنجوید العربیة بقيادة علي عبدالرحمن كوشيب تحت رعاية علي عثمان طه التي شكلت في أوائل الألفینیة لقمع التمرّد،وتطورت الخرطوم في صناعة جيوش موازية وسرعان ما تحولت إلى قوة شبه نظامية متماسكة. في عام 2013، قام النظام بدمجها رسمياً تحت مسمى “قوات الدعم السريع وقوات أخرى احتياطى بنفس الحجم بقيادة أحمد هارون لتحل مكان الأولي عند نفاذ مهمتها”، ومنحها شرعية وموارد. حققت هذه الاستراتيجية ثلاثة أهداف: قمع المطالبات الشعبية، وتأجيج الصراعات المحلية لتفتيت النسيج الاجتماعي، وتوفير غطاء “قابل للإنكار” لممارسة العنف الأكثر وحشية، مع إبقاء مركز القرار في الخرطوم بعيداً عن المساءلة المباشرة.
لم يكن تحوّل قوات الدعم السريع إلى قوة موازية لسلطة الدولة حدثاً معزولاً أو مفاجئاً، بل جاء ضمن نمط أوسع شمل أيضاً تشكيلات مثل قوات الدفاع الشعبي و**كتائب البراء**، وهي جميعاً أدوات صنعتها نخب السلطة عبر مراحل مختلفة بوصفها أذرعاً غير رسمية تحمي بها نفوذها السياسي وتضمن استمرار سيطرتها على الموارد، وتُدار من خلالها صراعاتها وجرائمها عبر وسطاء. وضمن هذا السياق، بنت هذه التشكيلات شبكات تمويل واقتصاداً موازياً مكّن بعضها من امتلاك استقلال مالي وعسكري. وفي فبراير 2025 أُعلن عن تشكيل إدارة موازية تحت مسمى حكومة السلام والوحدة في نيالا بإقليم دارفور، بمشاركة حلفاء من بينهم الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو و مؤتمر البجا والأسود الحرة من شرق السودان وحركات مسلحة من دارفور ومكونات مدنية من جميع أنحاء السودان بما فيها حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي و بعض اعضاء “تقدم“. في خطوة عكست انتقال ظاهرة “القوى الوكيلة” من مجرد أدوات نفوذ إلى فواعل سياسية-عسكرية تسعى إلى شرعنة سلطتها الميدانية وترسيخ واقع الانقسام المؤسسي،وقد تنبّهت هذه الأطراف إلى أن بنية السلطة المركزية درجت عبر مراحل مختلفة على صناعة قوى مسلحة حليفة ثم الاستغناء عنها أو تفكيكها عند تبدّل موازين القوة. غير أن هذا النمط واجه اختباراً غير مسبوق عندما دخلت الدولة في صراع مباشر مع قوات الدعم السريع، إذ تحوّل الفاعل الذي نشأ في الأصل ضمن معادلة الوكالة إلى طرف يمتلك قدرة مستقلة على تحدي المركز، لا مجرد خدمته

2. تحليل مبادرات السلام: منهجية الإجهاض واستراتيجية الشروط التعجيزية

لا يمكن فهم الموقف المتصلب للجيش السوداني من مسارات السلام المطروحة منذ 2023 بمعزل عن الدروس المستفادة من التجارب التفاوضية السابقة، ولا سيما اتفاقية نيفاشا (2005). خلصت القيادة العسكرية من تلك التجربة إلى أن التسويات السياسية الشاملة التي تُفرض تحت ضغط دولي تهدد احتكارها للسلطة والموارد. لذلك، يتعامل الجيش مع التفاوض بوصفه “امتداداً للصراع بوسائل أخرى”، ويسعى إلى تحويل أي حوار إلى ساحة لإعادة ترتيب موازين القوة لصالحه أو لكسب الوقت. ويتجلى هذا في إصراره على شروط تعجيزية، أبرزها: الانسحاب الكامل وغير المشروط لقوات الدعم السريع من المدن (نزع سلاحها فعلياً قبل أي عملية سياسية)، والرفض المطلق لأي دور سياسي مستقبلي لقيادة الدعم السريع، والمطالبة بالشرعية الحصرية بوصفه الممثل الوحيد للدولة، وهو ادعاء يتناقض مع تاريخه في إسقاط الحكومات المدنية.

2.1 القاسم المشترك في إخفاق المبادرات الدولية (2023-2025)
أخفقت جميع المبادرات الدولية بسبب فشلها الهيكلي في معالجة الجذور البنيوية للصراع، واكتفائها بإدارة الأعراض:

· مفاوضات جدة (2023) بوساطة سعودية-أمريكية: ركزت على وقف إطلاق النار والإغاثة الإنسانية، وتجنبت تماماً الأسئلة السياسية الجوهرية المتعلقة بتقاسم السلطة ومستقبل القوات المسلحة. استُخدمت الاتفاقيات كأداة للمناورة وكسب وقت لإعادة التموضع العسكري.
· المبادرات الإقليمية المتضاربة: عكست مبادرات الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) والاتحاد الأفريقي الانقسام الإقليمي الحاد. فبينما تدعم مصر بشكل تقليدي الجيش السوداني فنياً وعبر سلاح الطيران المصري وجلب الأسلحة الكيماوية، تتهم القوات المسلحة السودانية الإمارات بتقديم دعم عسكري ولوجستي شامل لقوات الدعم السريع، بما في ذلك الطائرات المسيرة. سمح هذا التضارب للجيش السوداني بـ “التسوق بين المنتديات التفاوضية” بحثاً عن الصيغة الأقل تهديداً لمصالحها.
· مبادرة المجموعة الرباعية (2024-2025) ومفارقتها: بينما رفعت الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات خطاباً يدعم الانتقال المدني، أظهرت الدول الإقليمية فيها توافقاً ضمنياً على مركزية الدور السياسي للجيش، مما أفقد المبادرة مصداقيتها وأظهر تناقض الوساطة الدولية.

2.2 الأسئلة التأسيسية المؤجلة: مفاتيح السلام أو شروط تعجيزية
يكمن سبب الإخفاق المتكرر في تجنب هذه المبادرات المنهجي لمواجهة الأسئلة الخمسة المصيرية التي تشكل جوهر الأزمة السودانية:

1. ماهية الجيش المستقبلية: هل يُعاد تأسيسه كمؤسسة وطنية مهنية خاضعة لسلطة مدنية، أم يُعاد إنتاجه كـ”حارس سياسي” يحتكر تعريف المصلحة الوطنية؟
2. المساءلة والمحاسبة: كيف يمكن محاسبة القيادات العسكرية والأمنية عن جرائم الحرب والانتهاكات المرتكبة في دارفور (2003-2005) ومجزرة الخرطوم (2019) والحرب الحالية، دون إفلات من العقاب وفي ظل استمرار هيمنتهم؟
3. مصير القوات غير النظامية: ما المسار الواقعي لقوات الدعم السريع؟ هل يمكن دمجها في جيش وطني جديد أم يجب تفكيكها كلياً؟ وأي آليات تضمن عدم إعادة إنتاج نموذجها في المستقبل؟
4. الإرث المؤسسي والمالي للحركة الإسلامية: كيف يمكن تفكيك شبكات النفوذ الاقتصادية والأمنية الموروثة من نظام الإنقاذ، والتي لا تزال تمول الصراع وتقوض أي حكم مدني؟
5. التدخلات الخارجية: كيف يمكن تحييد الدور السلبي للفاعلين الإقليميين (مصر، قطر، تركيا) والدوليين الذين يمدون الجيش بالسلاح والتمويل، ويحولون السودان إلى ساحة لتصفية حساباتهم؟

أي عملية سياسية تتجنب الخوض الجاد في هذه الأسئلة هي، في أحسن الأحوال، محاولة لإدارة الأزمة وتجميل واقع الانهيار، وليست مساراً حقيقياً لصنع سلام مستدام.

3. نحو إعادة التأسيس: من جيش النخبة إلى جيش الأمة

إن بناء سلام مستدام في السودان، بعد هذا التاريخ من التراكمات والانقسامات البنيوية العميقة، يتطلب القطع مع نموذج الدولة المركزية القمعية وتبني مقاربة تحويلية جذرية. لا يكفي نزع سلاح المتحاربين ما لم يُفكك المنطق البنيوي للاحتكار السياسي والاقتصادي الذي أنتجهم. وعليه، فإن إعادة تأسيس الجيش السوداني تمثل حجر الزاوية في أي مشروع جاد لإعادة بناء الدولة، عبر حزمة مترابطة من الإجراءات:

3.1 الشرط السياسي: القطع مع الوصاية العسكرية وبناء الشرعية المدنية
يجب أن ينطلق أي انتقال من الإقرار بأن شرعية الحكم تستمد فقط من الإرادة الشعبية الحرة عبر انتخابات ديمقراطية نزيهة. يتعين على القيادة العسكرية الحالية، التي أثبتت الحرب عجزها العسكري والأخلاقي، “التخلي عن الحكم السياسي” كلياً والاكتفاء بدور ضمان انتقال منظم وسلمي للسلطة لحكومة مدنية كاملة الصلاحيات. لا يمكن التسامح مع أي خطاب “الضرورة الأمنية” أو “شعبية الحرب” لتبرير استمرار الهيمنة.

3.2 إعادة الهيكلة المهنية تحت الرقابة المدنية

· عقيدة جديدة: يجب صياغة عقيدة عسكرية جديدة تتمحور حول حماية الدستور والديمقراطية ووحدة التراب الوطني وسيادة القانون، وليس حماية نظام أو نخبة حاكمة.
· رقابة دستورية: إخضاع المؤسسة العسكرية لرقابة مدنية حقيقية ومباشرة، تحدد في دستور دائم، مع فصل صارم بين المجالين العسكري والسياسي.
· تمثيل عادل: إعادة تنظيم نظام التوظيف والترقية والتعليم العسكري على أساس الكفاءة المهنية والتمثيل العادل لجميع أقاليم السودان، ليكون الجيش انعكاساً للتنوع الوطني وليس أداة هيمنة لجهة أو إثنية.

3.3 تفكيك الاقتصاد العسكري الموازي وإرساء الشفافية
لا يمكن بناء جيش وطني في ظل “اقتصاد النهب الموازي”. يجب سن تشريعات صارمة لوضع حد لأنشطة الشركات الاقتصادية التابعة للمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، وإخضاع ميزانياتها وأنشطتها للرقابة البرلمانية والتدقيق المالي المستقل، كخطوة حاسمة لمحاربة الفساد البنيوي الذي يغذي الصراع.

3.4 دمج مهني وعدالة انتقالية شاملة: معالجة إرث الجيش المؤدلج والجيوش غير النظامية
جب أن يتم التعامل مع مسألة إعادة بناء المنظومة العسكرية والأمنية في السودان في إطار عملية شاملة لإعادة التأسيس المؤسسي تطال جميع التشكيلات المسلحة دون استثناء، بما في ذلك القوات المسلحة السودانية وغيرها من القوى القائمة، بحيث يُعاد تنظيمها وفق تصور وطني جديد يُعتدّ به كمنظومة موحدة، وكأن البنية السابقة لم تكن. ولا يُقصد بعملية “الدمج” الإبقاء على الكيانات العسكرية بهياكلها القائمة، بل إخضاعها جميعاً لعملية إعادة هيكلة مؤسسية متكاملة تسبق أي إدماج فردي. وتشمل هذه العملية إخضاع الأفراد لآليات فحص وتقييم ومساءلة على أساس شخصي، ثم إدراج من تثبت أهليتهم في برنامج وطني موحد لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي والتدريب العسكري المهني وفق معايير متساوية. وينبغي أن تندرج هذه العملية ضمن منظومة عدالة انتقالية شاملة تقوم على كشف الحقيقة، وجبر ضرر الضحايا وتعويضهم، وترسيخ ضمانات فعالة تحول دون تكرار الانتهاكات مستقبلاً. كما تُظهر خبرات دولية مقارنة أن مساءلة المؤسسات العسكرية خلال لحظات الانتقال تكون معقدة، غير أن إعادة تشكيل موازين القوى تدريجياً لصالح الحكم المدني من شأنها توسيع المجال أمام تحقيق العدالة وترسيخ سيادة القانون

الخاتمة: السلام بوصفه عملية تأسيسية شاملة

تمثل الحرب الجارية في السودان تكراراً صارخاً ومأساوياً “لحظة تأسيس فاشلة” تعود إلى جذور الدولة ما بعد الاستقلال. لقد أخفقت كافة مبادرات السلام لأنها سعت إلى إدارة الصراع بين النخب المتحاربة أو إعادة توزيع غنائم النظام القديم، دون الخوض في تفكيك البنى التي أنتجت الصراع أساساً: النزعة المركزية الاستعلائية، وتوظيف الجيش كحارس لمصالح فئوية، وتفريغ المليشيات كأدوات عنف بالوكالة، وإنكار التنوع كأساس للهوية الوطنية.

لقد حسمت الحرب الراهنة، موضوعياً، الجدل حول شرعية وجدارة القيادة العسكرية الحالية. فادعاء تمثيل الشرعية الوطنية يصطدم بواقعين: الأول، أن الجيش كان الأداة الرئيسية في إنتاج النظام القديم وتفكيك الدولة. الثاني، أن الحرب كشفت عجزه عن هزيمة قوة نشأت تحت رعايته، واضطراره للاعتماد على تحالفات هشة مع بقايا النظام السابق ومجموعات قبلية ودعم خارجي، مما أفقد ما تبقى من هيبته. لم يعد السؤال عن إصلاح هذه القيادة، بل عن “كيفية تجاوز النموذج المؤسسي الفاشل” الذي تمثله.

يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي: إما الاستمرار في دوامة الفوضى والتبعية للإرادات الخارجية، أو الشروع في صناعة سلام وطني مستقل. ولا يتحقق الخيار الثاني إلا عبر “حوار تأسيسي شامل” يستبعد القوى التي أشعلت الحرب وأفقرت البلاد عبر التاريخ، وينطلق من الإرادة الشعبية السيادية. هذا الحوار يجب أن يعيد تعريف العقد الاجتماعي على أساس العدالة في توزيع السلطة والثروة، والاعتراف بالتعدد الثقافي كإثراء، وصياغة مفهوم للمواطنة المتساوية غير المشروطة بأصل أو هوية فرعية.

الطريق طويل وشاق، لكنه يبدأ باعتراف جوهري: لكي يصبح الجيش السوداني حارساً حقيقياً للوطن، عليه أن يدفن الجيش مع ماضيه المؤسسي كأداة إقصاء وعنف، ويُعاد تأسيسه من جديد، بوصفه ركيزة لدولة مدنية ديمقراطية، ونتاجاً لإرادة شعب حر، يتوق أخيراً إلى السلام الذي يستحقه.

مراجع مختارة للاستزادة:
· الطاهر، محمد مكي. (2023). الجيوش غير النظامية في السودان، حالات من إقليم دارفور. دار المصورات للنشر.
· خالد، منصور. (2014). النخبة السودانية وإدمان الفشل. دار الساقي.
· دي واال، أليكس. (2015). الأزمة السودانية: تشريح سلام مفقود. (مترجم).
· حرير، شريف. (2005). دارفور: الصراع المستمر. (أبحاث ومقالات متنوعة).
· “الاقتصاد السياسي للجيش السوداني”. (2023). تقرير خاص، المركز السوداني للخدمات الصحفية.
· “مأزق تسييس الهويات التاريخية في السودان”. (2023). إندبندنت عربية.
· تقارير دورية عن السودان. مجموعة الأزمات الدولية (ICG).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.