Fajr Press

«جنون البقر» والبشر في السودان والعالم!

كتب - د. الشفيع خضر

«جنون البقر» هو مرض عصبي يصيب الأبقار، فيدمر أجزاء من المخ حتى يصير مليئاً بالفراغات كالإسفنج أو كالغربال. والمرض تم تشخيصه لأول مرة في العام 1986 في الماشية المستوردة من بريطانيا، وتتلخص أعراضه في ظهور تغيرات في السلوك، وحركات لا إرادية جنونية، ونقص في التناسق العصبي الحركي ثم ينتهي بالنفوق.

ورغم أن المرض ظل محصوراً في الماشية، إلا أنه في العام 1996 تم اكتشاف دلائل قوية تربط بينه وحالة مرضية تصيب دماغ البشر وتعرف بمرض «كروتزفيلد جاكوب». ولكن، نحن هنا غير معنيين بالتفاصيل العلمية والطبية، وإنما أوردنا المعلومة كنوع من التورية البلاغية للحديث عن حالة مرضية، اجتماعية وليست طبية، لا تصيب كل البشر وإنما فقط بعض القيادات السياسية في العالم، وتتلخص أعراضها أيضا في السلوك الهمجي والتصرفات الجنونية، لذلك أسميناها «جنون البشر السياسي» على وزن «جنون البقر». وفي الحقيقة، فإن «جنون البقر» لم يكن مجرد مرض حيواني، بل كان ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية كشفت هشاشة النظم العالمية في عصر العولمة، وهكذا الحال بالنسبة لمرض جنون البشر، أو بعض قادة البشر، للدقة.

وإذا كانت أعراض مرض «جنون البشر السياسي» تشبه أعراض مرض «جنون البقر» في السلوك المتغير والتصرفات الجنونية، إلا أنها تختلف عنها جذريا في كونها تتم إراديا ووفق ترتيب مسبق منظم ومقصود. كما أن أسبابها لا علاقة لها ببروتين متغير كما هو سبب مرض «جنون البقر» ولا بأي أسباب بيولوجية، وإنما الأسباب هنا سياسية اجتماعية، عنوانها الاضطراب العالمي الراهن المتفاقم حد الجنون والمهددد لأمن وأمان البشرية، والذي نراه بوضوح في بؤر النزاعات الدامية والحروب المشتعلة في كل قارات العالم بدون استثناء، ولن يكون آخرها قرصنة اختطاف رئيس فنزويلا واعتقاله، والتعامل مع الحدث بزهو وافتخار. وفي اعتقادي، تعود أسباب الاضطراب العالمي الراهن إلى عدة عوامل، منها:
تحولات النظام الدولي البنيوية إثر تراجع الهيمنة الأمريكية المطلقة التي سادت بعد الحرب الباردة ومحاولات أمريكا استعادة هذه الهيمنة في ظل صعود الصين كمنافس استراتيجي قوي، ودور روسيا كذلك، وفي ظل التحدي النووي الإيراني. وأيضا تآكل النظام الليبرالي الدولي وتراجع التزام دول كثيرة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وعودة السياسة القائمة على القوة.

تفاقم الأزمات الاقتصادية والهيكلية المترابطة والناتجة من عدم المساواة العالمية المتزايدة، ومن الآثار المستمرة لجائحة كورونا حيث اضطراب سلاسل الإمداد، التضخم، أزمة الديون، ومن تحولات الطاقة والمناخ حيث الانتقال غير المتكافئ من الوقود الأحفوري.

الثورة التكنولوجية المتسارعة بدرجة مذهلة والمتمثلة في الذكاء الاصطناعي والأتمتة ودورهما في تغيير طبيعة العمل والقوة الاقتصادية، وفي الحرب السيبرانية كمجال جديد للصراع بحدود غير واضحة، وفي دور وسائل التواصل الاجتماعي في تزايد الاستقطاب عبر بث المعلومات المضللة.
تحديات وجودية مشتركة مع تغير المناخ إلى الأسوأ دون استجابة عالمية منسقة، وحيث العالم غير مستعد لأي جائحة قادمة، ومع التطور في إنتاج الأسلحة الفتاكة الجديدة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب، وتطوير الأسلحة ذاتية التشغيل.

إن الولايات المتحدة الأمريكية تتحمل العبء الأكبر في تفاقم أسباب هذا الاضطراب العامي الراهن، بدءا بدورها التاريخي والتأسيسي خلال الفترة 1945 ـ 2000، كمهندس النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، والضامن الرئيسي للأمن العالمي خلال الحرب الباردة، والراعي للعولمة الاقتصادية. ثم عبر سياساتها الخارجية المثيرة للجدل منذ 2001: غزو أفغانستان والعراق دون شرعية دولية، تدخلات عسكرية أحادية تنتهك مبدأ السيادة الدولية، ازدواجية المعايير بانتقاد انتهاكات حقوق الإنسان لدى الخصوم وتغاضي عن انتهاكات الحلفاء، انسحاب من الاتفاقيات الدولية كاتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني، تهميش الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، استخدام الدولار كسلاح اقتصادي، الحمائية التجارية والحروب التجارية مع الصين وحلفاء تقليديين…الخ. وأعتقد مثلما تتحمل الولايات المتحدة عبء تفاقم الاضطراب العالمي الراهن، فإنها أيضا تتحمل العبء الرئيسي في علاجه، عبر تواضع قيادتها واعترافها بحدود قوة أمريكا، وسعيها لشراكات حقيقية مع حلفاء ودول صاعدة، إصلاح النظام الدولي والمؤسسات الدولية لا تفكيكها، التركيز على التحديات المشتركة التي تهدد البشرية جمعاء كالمناخ والأوبئة والخطر النووي.

ومثل أوبئة الكوليرا وحمى الضنك، السودان موبوء أيضا بمرض «جنون البشر السياسي» المتفشي وسط العديد من قادته السياسيين. فسلوك وتصرفات هؤلاء القادة تشكك تماما في أنهم يعون أن الحرب لن تأتي بانتصار لأي طرف، وأن السودان أصبح بالكامل في قبضة الحرب بالوكالة، وأن استمرار الحرب يضاعف من احتمالات تقسيم البلد، أو تعرضها لسيطرة إقليمية متنافسة، أو تحولها إلى مركز للإرهاب والجريمة العابرة للحدود. إنهم غير منتبهين تماما إلى المفارقة بأن السودان رغم أهميته الاستراتيجية وضخامة أزمته الإنسانية، وأنه اليوم أصبح مرآة لعالم منقسم على نفسه، واختبار لمستقبل النظام الدولي، إلا أنه يعاني من «تهميش مركزي»،» بمعنى أنه يقع في مركز تقاطع أزمات عالمية، لكنه مهمش في الأولويات الدولية! إن مستقبل السودان ومكانته في العالم، سيتحددان ليس فقط بما سيحدث داخله، وإن كان ذلك هو الأصل والأساس، بل أيضا بتطور المواقف الدولية من فكرة النظام العالمي نفسه. فإذا استمر العالم متجها نحو القومية والانكفاء، فمصير السودان سيكون مزيدا من المعاناة.

وإذا ظهرت إرادة دولية جديدة للتعاون، فقد يكون السودان فرصة لإثبات أن النظام متعدد الأقطاب لا يزال ممكناً.
خروج العالم من حالة الاضطراب الراهن يحتاج إلى قيادة جديدة متسقة أكثر من أي وقت، فالقائد التقليدي، أمريكا، إما غير راغب أو غير قادر. أما خروج السودان من محنته المأساوية الراهنة، فيتطلب من جميع قواه تغييرا في التفكير من منطق الصراع والصفرية، إلى منطق الاستعداد للتنازل والمساومة والتعامل مع التحديات الوجودية المشتركة. وجميعنا يحتاج إلى تطعيم من مرض «جنون البشر السياسي».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.