الحكاية الأعمق .. لماذا تحتاج مناطق «تأسيس» إلى قطيعة مدنية لا تنسيقًا زائفًا.
بقلم - عمار نجم الدين
لا يمكن قراءة مقال الأستاذ إسماعيل هجانة خارج تاريخه الطويل كأحد الرموز البارزة في المجتمع المدني السوداني، ومدافع ثابت عن الحقوق المدنية في كل السودان دون انتقائية أو اصطفاف. يشهد له نضاله ضد السلطات الدكتاتورية، كما يشهد له انحيازه الدائم للهامش، لا بوصفه شعارًا بل ممارسةً وموقفًا وتحملًا لتكلفة عالية عبر سنوات. من هذا الموقع تحديدًا تأتي أهمية مقاله، لا من لغته فحسب، بل من شرعيته الأخلاقية والسياسية.
ما يطرحه المقال يضع الإصبع مباشرة على جرح ظلّ يُدار عمدًا لا يُعالج: تسييس العمل المدني، وتحويله من أداة لحماية الحقوق إلى اقتصاد ظلّ، قائم على التمويل، والسرديات الجاهزة، والمتاجرة المستدامة بالألم الإنساني. هذه ليست اتهامات إنشائية، بل توصيف لمسار طويل استفادت منه نخب محدودة، نساءً ورجالًا، راكموا امتيازاتهم عبر عقود من تدفّق أموال المنظمات، بينما ظلّ الضحايا أنفسهم خارج معادلة القرار والتمثيل.
من هنا، تبدو الخطوة المفصلية اليوم واضحة: على «تأسيس» في هذه اللحظة التاريخية أن تعمل على بناء مؤسساتها المدنية الخاصة، مؤسسات تمتلك فرزًا حقوقيًا ومعياريًا مستقلًا، يقطع الارتباط البنيوي مع منظمات تعمل في مناطق نظام بورتسودان، وتخضع عمليًا لشبكات نفوذ مركزية فاسدة تاريخيًا. لا يعقل أن تُدار مناطق محرّرة بمنطق تحرّري، بينما يُستورد إليها عمل مدني مُعاد تدويره من قلب المنظومة نفسها التي قامت الثورة والحرب ضدها.
المطلوب ليس “تنسيقًا” مع تلك المنظمات، بل إيقاف عملها في مناطق «تأسيس» بالكامل، وإفراغ المساحة لمنظمات تنشأ من داخل الواقع الاجتماعي والسياسي للمناطق المحرّرة، وتعمل بشفافية ومسؤولية، لا بمنطق “الفِند” واستدامة التمويل عبر تضخيم الحكايات وتأليف سرديات الانتهاكات بما يخدم تقارير المانحين لا كرامة الضحايا. المطلوب كذلك إنشاء جسم مستقل لمنظمات المجتمع المدني في مناطق «تأسيس»، يمنع صراحة عمل المنظمات المرتبطة تاريخيًا بالامتيازات المركزية والفساد، لا بدافع الانتقام، بل بدافع حماية الفضاء المدني نفسه من إعادة إنتاج القهر بصيغ ناعمة.
ولا يكتمل تفكيك هذا الانحراف دون التوقف عند المثال الفاضح الذي تمثّله وزيرة التنمية الاجتماعية والموارد البشرية، سليمى إسحاق. فقد كانت، قبل تعيينها، تتحدث علنًا عن الاغتصابات والانتهاكات التي ترتكبها المليشيات والأجهزة الأمنية، بخطابٍ عام يُدين بنية العنف ذاتها دون مواربة. لكن ما إن جرى تعيينها وزيرة، حتى انقلب خطابها رأسًا على عقب، وتحول فجأة إلى اتهام طرف واحد فقط. هذا التحوّل لا يمكن قراءته كـ«تطوّر في الموقف»، بل كنموذج صارخ لإعادة تشكيل الخطاب الحقوقي عند الاقتراب من السلطة، وسقوط ادّعاء الحياد لحظة الدخول إلى منظومة الامتيازات. هنا تتحول اللغة الإنسانية من أداة مساءلة إلى أداة تبرير، ومن خطاب حقوق إلى وظيفة سياسية.
ما يقوله إسماعيل هجانة، وما ينبغي البناء عليه، هو أن المعركة اليوم ليست عسكرية فقط، ولا سياسية فقط، بل هي معركة على معنى العمل المدني نفسه. إما أن يُعاد تعريفه كأداة تحرّر وحماية وكرامة، أو يُترك ليستمر كآلية ضبط وإقصاء، تُدار بالتمويل وتُغذّى بالنفاق الأخلاقي. في هذه اللحظة، لا الحياد فضيلة، ولا التعايش مع هذا الخلل خيار. إما قطيعة واضحة، أو إعادة إنتاج للأزمة بأسماء جديدة.
الحكاية، فعلًا، أعمق من الحرب.