لابد أن شيئا ما هنا قد تغير، فللمرة الأولي، يلين الموقف الصعب.. لا شروط مسبقة، لا رفض معلن، بل ثمة ضوء أخضر خافت، تسلل من بورتسودان، عبر عنه ترحيب البرهان بجهود السلام، عقب لقائه المباشر بنائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي الذي زاره بمقر إقامته في عاصمته الإدارية المؤقتة.
وبدا كأن البرهان قد أطلق بترحيبه الفضفاض أو الخجول بما أسماها جهود السلام، طلقة البداية لماراثون طويل،
أنطلق من الرياض إلى أبوظبي، ومن القاهرة إلى واشنطن، ماراثون رسم لأسبوع كامل لوحة شطرنج دبلوماسية لا تتيح لأحد أن يظل ساكناً.
اسبوع، كل حجر في الرباعية كان قد تحرك فيه، بما في ذلك دولة الإمارات التي يبغضها البرهان.
مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية والعربية، افتتح هذا المشهد من الرياض، حيث وضع أمام السعوديين تصوّراً أميركياً لمخرج يُرضي الجميع ويخاطب عناد البرهان بلغة الرسائل لا التهديدات.
ثم طار إلى أبوظبي، حيث يُعرف للإمارات دورها في تهدئة الاندفاعات، وترتيب الأرض قبل غرس المبادرات.
في ذات الوقت، كان بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، يتنقل من القاهرة ـ حاملاً رسالة إلى السيسي ـ قبل أن يحط في واشنطن، ليصوغ مع نظيره الأميركي ماركو روبيو تفاهم اللحظة الحرجة أو الأخيرة.
علي أية حال، فإن ما يجري هو ربما دفع من كل زاوية نحو هدف واحد: انتزاع موافقة نهائية على “الهدنة الإنسانية”، التي لم تعد مجرد مطلب إغاثي، بل بوابة دخول إجباري نحو خارطة الطريق الرباعية عينها.
هذه الهدنة الإنسانية التي تمت هندستها بلا مخرج للطؤاري، صممت هكذا كي تصبح مدخلا لحل متكامل غير قابل للتجزئة أو للتراجع والنكوص.
المهم فإن تفاصيل خارطة الرباعية تضع الهدنة الإنسانية عتبة أولي للدخول الي بنودها الأخري خلال ثلاثة أشهر، تتبعها بالضرورة مفاوضات شاملة لتشكيل حكومة مدنية في غضون تسعة أشهر.
لكن تظل العقبة الكؤود أمام البرهان للتفاعل إيجابا مع هذه المبادرة هي معارضة الحركة الإسلامية لنص الخارطة على قيام حكومة مدنية انتقالية، إضافة لإشارتها الواضحة إلى الدور الهدام للمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في نشر التطرف وعدم الاستقرار في السودان والمنطقة، فضلا عن اقرارها حرمان هذه الحركة واذرعها من أي نوع من أنواع المشاركة السياسية المستقبلية.