Fajr Press

بعد ألف يوم من حرب أبريل وسبعون عاما من الفشل السياسي.. كيف سيطر الانتهازيون على حكم السودان؟

كتب - إسماعيل يونس

مرّ السودان، خلال الأسبوع المنصرم واليومين الماضيين، بإحدى أخطر اللحظات في تاريخه الحديث، لحظات تعكس مأساة دولة فاشلة ومحطمة بأيدي أبنائها. لم يكن الفشل قدراً مفروضاً، بل نتيجة مباشرة لإدارة عشوائية للصراع السياسي، غاب فيها العقل في معظم المراحل، أو استُخدم بصورة انتهازية لتحقيق مكاسب ضيقة لا علاقة لها بالقضايا الحقيقية للشعوب السودانية، ولا بما ينبغي أن تكون عليه الدولة من حيث النظام السياسي والمؤسسات.

على امتداد الحقب السياسية المختلفة، توالد وتكاثر الانتهازيون داخل بنية الدولة والمجتمع. عاش السودان فترات طويلة من الصراعات السياسية، رُفعت خلالها شعارات وأفكار ومواقف قادت البلاد إلى نهايات مأساوية، دون أن تحقق أهدافاً نبيلة أو تُحدث تحولاً حقيقياً يستبدل القديم بما هو أكثر تماسكاً وإقناعاً من حيث القيم والمبادئ.
وفي معظم هذه الصراعات، لم تكن المعارك الفكرية سوى واجهة، بينما كان هناك اتفاق ضمني بين النخب المتصارعة على التحكم في إدارة الدولة والسيطرة عليها، بهدف إجهاض أي تغيير حقيقي يفرضه الشارع أو ترفعه الحركات المطلبية التي تمردت على الدولة منذ وقت مبكر.
تُعدّ فترة إدخال فكرة “الدولة الإسلامية” إلى السودان من أكثر الفترات وضوحاً في تعميق الاضطراب السياسي وخلق حالة اللا معقول في السياسة والمجتمع. فقد جاءت هذه الفكرة، التي حملها الإخوان المسلمون من خارج الحدود، في أواخر عهد نميري، وتم تطبيقها عملياً داخل مؤسسات الدولة بعد سنوات من العمل الدعوي كما كانوا يدّعون. وقد استُخدم خطاب مواجهة الشيوعية مبرراً للتمكين، بينما كان الصراع في جوهره صراعاً على السلطة لا على المبادئ.
لم تتغير طبيعة المطالب ولا أنماط السلوك الانتهازي كثيراً، خاصة مع تشكّل الحركات المسلحة في دارفور والشرق، إذا ما استثنينا الحركة الشعبية الأم التي انتهى مسارها باستقلال جنوب السودان. ومع ذلك، فإن الدولة الوليدة نفسها وقعت في الفشل السياسي والفساد، نتيجة استمرار العقلية الانتهازية ذاتها التي حكمت التجربة السودانية لعقود.
ويبرز نموذج حركات دارفور، خاصة حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، إضافة إلى تيارات الوسط والشمال بعد ثورة ديسمبر، ومجموعات الشرق بقيادة الناظر ترك، فيما عُرف بـ“الكتلة الديمقراطية”، كأوضح الأمثلة على الانتهازية السياسية. ففي الغالب، لا تمتلك هذه القوى مشروعاً سياسياً حقيقياً لمستقبل البلاد، بقدر ما تحركها أهداف شخصية تتمثل في اقتسام السلطة، وتولي المناصب، واستخدام التهديد والابتزاز في السلم والحرب.
استقوت هذه المجموعات بانتهازيي الحركة الإسلامية الذين يسيطرون على مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، التي تحوّلت عملياً إلى أكبر حزب سياسي يؤوي الانتهازيين العسكريين والمدنيين معاً. ومع اندلاع حرب 15 أبريل، تبنّى كثير من هؤلاء خطاب التغيير الشامل، واستقووا بتحالفات مسلحة، وشكّلوا ما عُرف بتحالف السودان التأسيسي، في مشهد يهدد بإعادة إنتاج الفشل تحت لافتات جديدة.
إن أي مشروع للتغيير لا يقوم على مؤسسات واضحة، ومعايير صارمة، ورقابة حقيقية على سلوك القوى السياسية، سيقع حتماً ضحية للانتهازيين، ويعيد إنتاج ذات الحلقة المفرغة التي سيطرت فيها هذه الفئة على الدولة والمجتمع عبر كل العهود.
اليوم، لم يعد الإسلاميون مختلفين عن غيرهم من التكتلات السياسية؛ فقد تحولت حركتهم، كغيرها، إلى مشروع مصالح شخصية، بعيداً عن الفكر والأدبيات التي رُفعت في البدايات. ولهذا، فإن أي دعوة إلى التغيير الشامل لا تضع الانتهازية السياسية في صميم نقدها، ولا تحاسب الفاعلين الحقيقيين في كل المعسكرات، سيكون مصيرها الفشل، وتكرار وأد الثورات، والتضحية بمن قدّموا أرواحهم ثمناً للتغيير، بينما لا يرى الانتهازيون في الوطن سوى وسيلة لمكاسبهم الخاصة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.