Fajr Press

تداعيات الحرب الايرانية الاسرائلية الامريكية علي المشهد السوداني

بقلم - أدم مكرم

في وقت لم يلتقط فيه العالم أنفاسه بعد تداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا، يطل شبح مواجهة جديدة بين إيران وإسرائيل، مع حضور مباشر أو غير مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية، في مشهد يعكس تحوّلًا عميقًا في طبيعة الصراعات الدولية ويضع النظام العالمي أمام اختبار غير مسبوق. فهذه المواجهة لا تُقرأ فقط باعتبارها نزاعًا إقليميًا، بل باعتبارها صراعًا بين مراكز ثقل تسعى إلى إعادة تعريف موازين القوة في مرحلة تتسم بتآكل الهيمنة الأحادية وصعود تعددية مضطربة الأقطاب.
على الصعيد الاقتصادي العالمي، تبدو التداعيات هي الأسرع حضورًا والأوسع أثرًا. فمجرد تصاعد التوتر في منطقة تعد شريانًا حيويًا للطاقة العالمية كفيل بإرباك أسواق النفط والغاز ورفع مستويات القلق في البورصات الدولية. العالم الذي عانى من اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة بسبب الحرب الأوروبية، يجد نفسه أمام موجة جديدة من عدم اليقين قد تدفع بأسعار الطاقة إلى مستويات أعلى وتعمّق الضغوط التضخمية في الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء. كما أن توجه رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة يضعف العملات في الدول الهشة ويزيد كلفة الاقتراض، ما يفاقم أعباء الديون ويهدد برامج التنمية والاستقرار المالي في مناطق واسعة من العالم.
أما سياسيًا، فإن اتساع رقعة التوتر بين طهران وتل أبيب، في ظل انخراط واشنطن، يعكس حالة سيولة استراتيجية غير مسبوقة. فالنظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة يواجه اليوم تحديات تتجاوز قدرته التقليدية على الاحتواء، مع تراجع فاعلية المؤسسات الدولية في إدارة النزاعات وتصاعد أدوار القوى الإقليمية. هذا المشهد يعزز الاستقطاب بين المعسكرات الدولية ويعيد رسم خطوط التحالفات، كما يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد في الشرق الأوسط، ويزيد من احتمالات الحروب بالوكالة والتصعيد غير المباشر عبر أدوات اقتصادية وأمنية وسيبرانية. وفي ظل غياب توافق دولي صلب، يصبح خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع احتمالًا قائمًا، ما يهدد الأمن الجماعي ويضعف الثقة في مراكز القرار العالمي.
ضمن هذا السياق المضطرب، لا يقف السودان بعيدًا عن تداعيات هذه التحولات. فالبلاد التي تعيش صراعًا داخليًا معقدًا تجد نفسها متأثرة بإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية. فمع انشغال الفاعلين الدوليين بأزمة جديدة ذات أولوية أعلى، قد يتراجع الاهتمام الدولي بالملف السوداني، سواء على مستوى الوساطات السياسية أو الدعم الإنساني والاقتصادي. كما أن اختلال مراكز الدعم الإقليمي لطرفي النزاع في السودان، نتيجة تبدل الحسابات الاستراتيجية للدول المنخرطة في الصراع الأكبر، قد يؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الساحة السودانية، بما يطيل أمد الأزمة أو يعقّد فرص التسوية.
اقتصاديًا، يتأثر السودان بصورة مباشرة بأي ارتفاع في أسعار الطاقة والغذاء، نظرًا لاعتماده على الاستيراد في سلع أساسية، ما ينعكس على معدلات التضخم ومستوى المعيشة ويزيد من الضغوط الاجتماعية. كما أن تراجع التدفقات المالية والمساعدات الدولية، في ظل إعادة توجيه الموارد نحو مناطق توتر أخرى، قد يفاقم من هشاشة الوضع الاقتصادي ويقيد قدرة الدولة على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية والتنموية.
في المحصلة، فإن المواجهة المتصاعدة بين إيران وإسرائيل، بظلها الأمريكي، لا تمثل مجرد أززمة إقليمية عابرة، بل تعبيرًا عن مرحلة انتقالية في النظام الدولي، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية على نحو معقد. عالم لم يخرج بعد من آثار حرب كبرى في أوروبا يجد نفسه أمام حرب من نوع جديد بين مراكز ثقل متنافسة، بما يحمله ذلك من مخاطر إعادة تشكيل خرائط النفوذ والتأثير، وبتداعيات تمتد من أسواق المال العالمية إلى ساحات النزاع الهشة، وعلى رأسها السودان .

م/ آدم مكرم – كمبالا – 2/3/2026

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.