Fajr Press

سقوط مشروع الملالي .. واستحقاق الحساب

كتب - منعم سليمان

لا يُقرأ الموت في سياق الطغاة بوصفه فناءً بيولوجياً فحسب، بل هو في جوهره انكسارٌ للهالة الزائفة، وتهاوٍ لأصنامٍ استبدت بالعقول قبل الأجساد.

إن سقوط المرشد الإيراني، ومنظومة القمع المحيطة به، ليس مجرد حدث سياسي عادي، بل هو زلزال وجداني يعيد تعريف المنطقة ويحررها من وثنية سياسية استعبدت الأمة باسم المقدس لعقود خلت.

لم تكن “إيران الملالي” يوماً مشروع بناء، بل كانت ولا تزال محض آلة لتصدير الموت وتفخيخ الأوطان.

ولعل الجريمة النكراء التي ارتكبها هذا النظام بشن قصفٍ سافر وغاشم استهدف دولاً خليجية شقيقة، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، تظل وصمة عارٍ لا تمحوها الأيام، في انتهاكٍ صارخٍ لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حسن الجوار.

إن هذا العدوان لم يكن خرقاً للسيادة فحسب، بل كان طعنةً في ظهر الجوار القائم على السلم؛ إذ استهدف هذا النظام دولاً آثرت الحكمة، ورفضت بشكل قاطع وعلني السماح بأي هجوم ضد إيران ينطلق من قواعد عسكرية على أراضيها.

هذا الغدر الاستراتيجي يبرهن أن العقلية الصفوية لا تؤمن بالمواثيق، بل ترى في الاعتدال ضعفاً، وفي السلام فرصةً للغدر.

ولم يكن هذا النزيف حبيس الخليج، بل امتدت أذرع الحرس الثوري ومسيّراته إلى السودان، لتعميق جراحه عبر دعمٍ لوجستي وفكري لفلول النظام البائد وتنظيمات الإسلام السياسي، في مسعى لإعادة إنتاج نموذج الدولة العقائدية المغلقة، وتحويل السودان إلى ساحة نفوذ وامتدادٍ لمشروع التوسع الشمولي.

لا فرق بين “ملالي طهران” وتنظيمات الإسلام السياسي السنية، فكلاهما خرج من رحمٍ فكري واحد، وكلاهما يرى في الدين أداة قهر لا رسالة رحمة، وكلاهما يُحوّل المقدس إلى درع للسلطة.

إن السقوط المدوي اليوم هو سقوط لفكرة “الوكالة الإلهية” التي منحها هؤلاء لأنفسهم، مدّعين احتكار السماء، بينما هم يغرقون الأرض بدماء الأبرياء. لقد سقط الصنم الخميني، وتعرّى المشروع الذي قام على جماجم الشعوب في الشام ولبنان واليمن والسودان، ويخوض اليوم في دماء الأبرياء في الخليج.

إن الفرح برحيل هؤلاء ليس شماتة في الموت، بل هو ارتياح روح انكسر عنها قيدٌ طال أمده، واحتفاءٌ باستعادة الدين من خاطفيه الذين نصبوا المشانق لكل حر، وكمّموا الأفواه بسياط الخوف. لقد ظن قادة هذا المشروع أنهم استثناء من سنن التاريخ، لكن حركة التاريخ لا تعترف بالاستثناءات المصطنعة.

إن سقوط الرأس يعني انكسار الأسطورة، وأن الخوف الذي زرعوه لم يعد مطلقاً. واليوم تدرك الشعوب أن القداسة المصطنعة إلى زوال، وأن الطغيان مهما تطاول في بنيانه فإن أساساته واهية لأنها قامت على الباطل.

إنها ساعة الانكشاف الكبرى؛ اللحظة التي تتساقط فيها الأقنعة، وتتعرّى المشاريع التي قامت على الخوف والقهر. فالتاريخ لا ينسى، والشعوب قد تصبر لكنها لا تستسلم، وحين يحين أوان الحساب تُستعاد الكلمة المسلوبة وتعود الموازين إلى نصابها. عندها يدرك كل من توهّم الخلود في السلطة أن سلطان القوة عابر، وأن العدالة – وإن تأخرت – لا تسقط بالتقادم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.