Fajr Press

من حكايات ألف ليلة وليلة .. حرب!

كتب - منعم سليمان

في مشهد يقطر حنانًا سياديًا، وبعد صيام طويل عن الزيارات الميدانية النافعة دام ألف ليلة وليلة من الحرب، قرر عبد الفتاح البرهان أن يتحرك أخيرًا. لم يتجه نحو معسكرات النزوح، ولا نحو مواطن الجوع والخراب، بل يمّم شطره إلى سجن النساء بأم درمان – وإنا لله.

لم يذهب ليوقف حربًا، أو ليطبّب جراح وطن ينزف، بل ليمارس هوايته الأثيرة في فتح السجون.
ذهب إلى سجن النساء بأم درمان ليمنح السجينات عفوًا في كل ما يتعلق بالحق العام؛ أي القضايا الصغيرة، التي ما كان ينبغي أن يُسجن بسببها الناس، والبلاد حرب ومسغبة!

ولا أعرف، في الحقيقة، لماذا نحتاج إلى سجون أصلًا في زمن رخصت فيه الحياة. زمن يُذبح فيه الإنسان في الشارع العام، وتُخرج أحشاؤه على مرأى الدولة، ثم يُسأل الناس بعدها عن حرمة دم البعوض!

إذن نحن أمام الجنرال العادل، فاتح بوابات السجون، الذي سيخلده التاريخ بوصفه الرجل الذي يقدس الحرية… بعد أن يسترخص الحياة. لا تسألني كيف؛ فأنا نفسي لا أعرف. لكن الرجل يفعل ذلك بثقة كاملة.

التاريخ، إن بقي له متسع للكتابة، سيذكره بوصفه أكبر محرر للسجون في تاريخ السودان الحديث. كانت الضربة الأولى في صبيحة الحرب، حين انفتحت أبواب السجون فجأة، وخرج منها القتلة من جهابذة النظام السابق، قادة الحركة الإسلامية، محملين بخبرتهم الطويلة في الخراب.

خرجوا ولم يحملوا حقائبهم معهم بل حملوا الوقود .. صبوه بهدوء فوق شرارة أشعلها تلاميذهم الصغار، ثم ابتعدوا خطوة إلى الخلف… ليتأكدوا أن الحريق يسير في الاتجاه الصحيح، فاشتعلت البلاد على النحو الذي نراه أمامنا.

والآن، بعد أن أكملت الحرب ألفيتها من الموت والنزوح، يعود فاتح الأبواب ليمارس هوايته مرة أخرى. وبينما يُقتل الناس بالجملة، ويقايضون بقاءهم بلقمة، قرر سيادته أن العدالة تبدأ من السجن لا من وقف الحرب. فالسلام، كما يبدو، مسألة مؤجلة. أما الصورة التذكارية، فلا تحتمل التأجيل.

ربما هي محاولة متأخرة لإنقاذ مفهوم (الحرية)، أو ربما اجتهاد في مساواة النوع الاجتماعي في الإفراج: خرج الرجال من سجن كوبر في بداية الحرب، فلماذا لا تخرج النساء الآن؟ هكذا تكتمل لوحة العدالة العبثية: يخرج من يتقن القتل حين يحتاج إلى الفوضى، وتخرج من لا نعرف سبب سجنها حين نحتاج إلى الرحمة.

إنها عدالة التوقيت؛ عدالة تُفتح فيها الأبواب بعناية، لا بحسب القانون، بل بحسب الحاجة السياسية للصورة.

هنيئًا للسجينات بالحرية. أما نحن، سكان هذا البلد غير الأمين، فنُذكر فقط بأن السودان ليس دولة لها سجون، بل سجن كبير، يُفتح فيه باب صغير من حين لآخر؛ لا ليخرج الناس، بل ليتأكد السجان أن الجميع ما زالوا في الداخل .. والخارج مطارد!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.