ساحات الفداء : من صندل حاج نور إلى استوديوهات الجزيرة ابدعات العيدروس
كتب - عمار نجم الدين
«أُعِيذُهَا نَظَرَاتٍ مِنْكَ صَادِقَةً … أَنْ تَحْسَبَ الشَّحْمَ فِيمَنْ شَحْمُهُ وَرَمُ»
بهذا البيت البليغ، حذّرنا شاعر العربية الأكبر «أبو الطيب المتنبي» قبل قرون من الخديعة البصرية التي تجعل الناظر يظن انتفاخ المرض عافية، وتضخم الداء قوة. ولم يكن برنامج «في ساحات الفداء» سوى تجسيدٍ تلفزيوني لهذا «الورم» الذي نُفخ بأكاذيب المعجزات حتى خُيّل للناس أنه «شحم» الانتصارات والكرامات. لم يكن البرنامج مجرد مادة تلفزيونية عابرة، بل كان أشبه بـ«حصّة تسميع» إجبارية للأمة، ومصنعًا لإنتاج الأساطير برعاية «التوجيه المعنوي»؛ طقس أسبوعي يبدأ بموسيقى عسكرية حاسمة وصارمة، وينتهي بتلك الضربة الصوتية الشهيرة التي هزت طفولتنا: «بووووم»! وبعدها ينساب ذلك الصوت الرخيم: «في ساحات الفداء…». والمفارقة أننا، كجيل كامل من الأطفال، أعدنا تعريف كلمة (بوووم) فطريًا، فلم تعد تعني انفجارًا، بل أصبحت وحدة قياس للكذب؛ فإذا أطلق أحدهم كذبة لا تستوعبها العقول، لم نكن نقول «كذب»، بل كنا نقلد صوت البرنامج: «بوووم».. لقد رمى الرجل «قنبلة ».
خلف تلك الكواليس، كانت «الطبخة» تُعد بعناية، حيث يتولى «الشيف» إسحق أحمد فضل الله وضع المقادير الخيالية، بينما يتولى أسامة العيدروس تقديم الطبق بصوته الساحر -وهو ذاته الذي سيحمل لاحقًا حنجرته وأوهامه إلى شاشات «الجزيرة»- ليُقدَّم البرنامج كصوت للمستضعفين، بينما هو في الحقيقة «ماكينة دجل» حوّلت الدين إلى سيناريو أفلام حركة رديئة. ومن أرشيف تلك الخزعبلات تبرز قصة «الشهيد حاج نور» التي رواها العيدروس بصوت يقطر خشوعًا، مدعيًا أن جسد الشهيد لم يتعفن بل فاحت منه روائح المسك والصندل، وكنا نجهش بالبكاء والسذاجة، قبل أن تكشف الروايات «الأرضية» اللاحقة أن تلك الرائحة السماوية لم تكن سوى خلطة عبقرية من عطور «سوق أم درمان» و«سوق بأبوروف سُكبت بسخاء، ليبرز السؤال الفلسفي الساخر: هل الجنة تتعامل حصريًا مع تجار العطور المحليين في أم درمان؟ مكونة من الصندل و المسك ( و فلور دمور ) المسخ الأرياح
ولا تكتمل فصول «الكوميديا السوداء» دون قصة الغزالة، حيث تقول الأسطورة إن الجوع حاصر كتيبة مجاهدين في أحراش الجنوب، وفجأة خرجت غزالة من العدم لتقترب منهم تركتي باتجاه القبلة بنظرة استجداء قائلة بلغة الحال: «أرجوكم.. اذبحوني وكلوني لوجه الله!»، ويا للعجب، غزالة واحدة بوزن عشرة كيلو أطعمت كتيبة قوامها 300 مجاهد رباني ، فسقطت قوانين الفيزياء وانتصر قانون «الخيال الواسع». ثم نأتي لقصة القرود التي تفكك الألغام في «توريت» و«يامبيو»، وهي قصص «منسوخة» برداءة من أدبيات «الجهاد الأفغاني» ضد السوفييت، مع فارق جوهري في «نوعية المُكيّفات»؛ فالأفغان أبدعوا خيالاتهم تحت تأثير الأفيون والحشيش، أما النسخة السودانية فكانت تعتمد على «البنقو» المحلي من غابات يامبيو ، لتكون النتيجة هلاوس جماعية وموتًا مجانيًا يُنسب للمعجزات الإلهية .
واليوم، وفي عام 2026، لا يزال أسامة العيدروس يمارس ذات الدور ولكن بترقية وظيفية، منتقلاً من استديوهات الخرطوم المتقشفة إلى استديوهات «الجزيرة» البراقة، حيث تغير الديكور وبقيت المنهجية: نفس اللغة التعبوية، نفس التهويل، ونفس الـ«بووووم». لذا، واقتراحًا لتصحيح المسار، لماذا لا نجمع الشمل من جديد تحت مسمى «في ساحات الجزيرة»، ونستدعي السيناريست القديم إسحق فضل الله ليعود الطاقم الذهبي للعمل، وتعود الأسطورة بنفس الإيقاع.. لأن الكذبة، مهما تغير غلافها أو الشاشة التي تعرضها، تظل كما هي.. «قنبلة » كاملة الدسم.
لأن الكذبة، مهما تغيّر استوديوها،
ومهما لمع مذيعها،
لا تتحول إلى حقيقة…
بل إلى قنبلة مؤجلة،
تنفجر في وجه الذاكرة حين تهدأ الموسيقى.