رقصة “الفلول” وتورتة “الشيخ.” وألف يوم من الدم.. وألف طعنة في خاصرة الوطن
بقلم - نفيسة حجر
في اليوم الألف للحرب اللعينة التي أحرقت الأخضر واليابس، وفي الوقت الذي ما زالت فيه دماء السودانيين تسيل في أزقة المدن وقرى الهامش، خرجت علينا “ديناصورات” النظام البائد في مشهدٍ يجسد أحطّ أنواع السقوط الأخلاقي. مشهدٌ لا يمكن وصفه إلا بأنه فجور في الخصومة مع الشعب، وإهانة مكتملة الأركان لمشاعر أسر الشهداء والجرحى.
لقد رأيناهم، ببدلاتهم الأنيقة وجلاليبهم الملونة وابتساماتهم الصفراء، يتقدمهم الفريق أول عوض بن عوف، والسفير عماد عدوي، والفريق ألماظ، والحاج مصطفى الأسيوطي؛ رأيناهم يرقصون ويتبادلون التهاني بمرور ألف يوم على الخراب.
هؤلاء الذين يملأ إعلامهم الدنيا ضجيجاً بدعوات “الاستنفار”، يدفعون بأبناء الغبش والمسحوقين إلى محارق الموت، بينما يحتفظون هم وأبناؤهم بـ”حق الرقص” في الصالونات الفارهة والمنافي الآمنة.
ولم يتوقف المشهد عند حد رقص “الجنرالات”، بل اكتملت فصول الملهاة بظهور “شيخ الأمين” وهو يقطع (تورتة) احتفالية بمناسبة مرور ألف يوم على تأسيس “تكيته”. يا للهول! أيُّ غيابٍ للضمير هذا؟
إن هذه التكية التي يتباهى بها، قد سقط بين جدرانها وفي محيطها شهداء أبرار، خضبت دماؤهم الأرض ليقف شيخها اليوم ليوزع الابتسامات ويقطع الحلوى.
كان حرياً بمن يرتدي ثوب “المشيخة” ويدعي القرب من الله والناس، أن يجعل من مرور ألف يوم على هذه المأساة مناسبة لـ (ختمة قرآن) تترحم على أرواح الشهداء الذين قضوا في تكيته، وأن يقيم مأتماً يليق بجلال فقدنا الوطني، احتراماً لمشاعر الأمهات المكلومات والآباء المفجوعين الذين لم تجف مآقيهم بعد. لكنه اختار “التورتة” والاحتفال، ضارباً بقدسية الدماء وعظم الفقد عرض الحائط، ليثبت أن التباهي بذاته وتلميع صورته الشخصية لديه أسمى من حرمة الروح التي كرمها الله.
إن الجمع بين رقص “الفلول” ببدلاتهم وجلاليبهم الزاهية، وبين تورتة “شيخ الأمين” في ذات التوقيت، يكشف لنا بوضوح أننا أمام طبقة انفصلت تماماً عن وجدان الشعب. طبقة تتاجر بكل شيء، يتاجر العسكر بالوطنية، ويتاجر السياسيون بالكرامة، ويتاجر المشايخ بالإنسانية، والضحية دائماً هو ذلك الشاب “المستنفر” الذي يصدق وعودهم، والمواطن البسيط الذي يدفع ثمن طموحاتهم من دمه وقوته.
يا شباب السودان، ويا أسر الشهداء: انظروا جيداً إلى هذه الوجوه.
انظروا إلى لمعان القماش في جلاليبهم وبدلاتهم، وقارنوه بغبار الخنادق الذي يغطي جباهكم. انظروا إلى بريق السكين وهي تقطع (تورتة) الاحتفال، وقارنوها ببريق الرصاص الذي يحصد الأرواح. هؤلاء هم الذين يبيعونكم “بضاعة الموت” ليقبضوا هم “ثمن البقاء” والوجاهة.