لم يعد ما يواجهه اللاجئون السودانيون في مصر مجرّد تجاوزات فردية أو اختناقات إدارية عارضة، بل بات أقرب إلى منظومة ضغط منسّقة تشترك فيها ثلاث جهات رئيسية: الحكومة المصرية، وسلطة الأمر الواقع في بورتسودان، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، عبر التواطؤ أو الصمت أو الامتناع المتعمّد عن أداء الدور المنوط بها.
وقد أسهم هذا التشابك في السياسات والممارسات في وضع عشرات الآلاف من اللاجئين السودانيين داخل حالة هشاشة قانونية مصطنعة، تعرّضهم للاعتقال التعسفي، والملاحقة الأمنية، وخطر الإعادة القسرية.
المفوضية في مصر: من الحماية إلى التعطيل:
منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، توقفت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر فعليًا عن أداء دورها كجهة حماية.
يعاني اللاجئون من تأخيرات ممنهجة في إصدار وتجديد بطاقات اللجوء، تمتد في كثير من الحالات لأكثر من عام كامل، بينما تُنسّق المفوضية مع مصلحة الجوازات والهجرة المصرية لتحديد مواعيد تجديد الإقامة بعد عامين أو ثلاثة أعوام من تاريخ التقديم.
وتؤدي هذه الإجراءات إلى وضع اللاجئ في حالة عدم مشروعية قانونية قسرية، إذ تنتهي صلاحية بطاقة اللجوء والإقامة معًا، دون أن يكون للاجئ أي تقصير أو بديل.
والأخطر أن المفوضية ترفض تزويد اللاجئين بإفادات مكتوبة ومختومة تثبت منحهم مواعيد بعيدة لتجديد الإقامة، وتكتفي بإبلاغهم شفهيًا عبر الهاتف. وبهذا، يُحرم اللاجئ من أي مستند يقيه تعسف السلطات الأمنية أو يثبت انخراطه في مسار قانوني.
وحتى في الحالات التي ينجو فيها اللاجئون من الحملات الأمنية حتى موعد التجديد، تُمنح لهم إقامات قصيرة لا تتجاوز ستة أشهر، بعد إجراءات تستغرق شهرين أو أكثر، ما يعيدهم سريعًا إلى الدائرة نفسها من الهشاشة والملاحقة، وهذه الوقائع لا يمكن توصيفها كفشل إداري عابر، بل تمثل إنتاجًا مؤسسيًا لوضع غير قانوني دائم.
تنسيق أمني بين القاهرة وبورتسودان:
ويتزامن هذا التعطيل الإداري مع تنسيق أمني متنامٍ بين السلطات المصرية وسلطة الأمر الواقع في بورتسودان، التي تهيمن عليها قوى إسلامية سياسية.
وفي الوقت الذي يتمتع فيه قادة هذه السلطة وأسرهم بإقامات مستقرة في القاهرة، يواجه اللاجئون السودانيون – الفارّون من الحرب – حملات تضييق واعتقال وضغوطًا متزايدة تمهيدًا لإعادتهم قسرًا.
وأقرت جهات سودانية ومصرية علنًا بوجود هذا التنسيق الأمني، ما يثير مخاوف جدية من أن ملف اللاجئين يُدار بوصفه ورقة سياسية وأمنية، لا قضية حماية إنسانية، وربما في سياق السعي لإعادة توظيف المدنيين في حرب فرّوا منها أصلًا.
قمع يومي وانتهاكات واسعة:
وعلى الأرض، يتعرض المجتمع السوداني في مصر إلى تضييق غير مسبوق، وتُغلق المدارس المجتمعية، وتُصادر الأنشطة التجارية الصغيرة، وتُنفذ حملات تفتيش ومداهمات متكررة – في كثير من الأحيان دون أوامر قضائية – في مناطق ذات كثافة سودانية مثل فيصل، وحدائق الأهرام، وعين شمس، ودهشور.
ويطال القمع الأطفال والنساء وكبار السن، في انتهاك صريح لمبادئ القانون الدولي للاجئين، وكذلك للنصوص الدستورية والقانونية المصرية نفسها، ولم يعد اللاجئون السودانيون يعيشون حالة لجوء صعبة فحسب، بل يعيشون حالة خوف مؤسسي دائم.
المسؤولية وسؤال الحرب:
بوصفها الدولة المضيفة، تتحمل مصر المسؤولية الأساسية عن حماية اللاجئين على أراضيها. ولا يمكن التوفيق بين هذه المسؤولية وبين سياسات تُجرّم اللاجئين إداريًا، في الوقت الذي تستمر فيه القاهرة بدعم مسار حربٍ لا تزال السبب الرئيس في نزوحهم.
إذا كانت مصر ترغب في عودة اللاجئين، فإن الشرط الأول والأخلاقي هو واضح: وقف الحرب، ودعم السلام، لا إدارة الإعادة القسرية.
إن دعم استمرار النزاع، وإغلاق أبواب التسوية، ثم السعي لإعادة اللاجئين قسرًا، يشكّل انتهاكًا جسيمًا لمنظومة الحماية الدولية، وقد يرقى إلى واحدة من أخطر أزمات حقوق اللاجئين في العالم المعاصر.
إن الأزمة التي يواجهها اللاجئون السودانيون في مصر ليست نتاج الصدفة، بل نتيجة سياسات متقاطعة وإخفاقات متعمّدة تتحمل مسؤوليتها الحكومة المصرية، وسلطة بورتسودان، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر.