Fajr Press

إعلان النصر: تأسيس والرواية الكبرى

بقلم - عمار نجم الدين

لا يُعلَن النصر حين تسكت المدافع، بل حين تفقد الهزيمة لغتها.وحين تصبح الوقائع الصغيرة—طرق تُفتح، بيانات تُقرأ، صور تُبث—عاجزة عن ستر حقيقة واحدة: أن الرواية الكبرى قد حُسمت.

هذه ليست نشرة انتصار لمعركة تُرى، بل إعلان انتصار لحرب لا تُرى.
حرب بدأت مع ميلاد الدولة عام 1956، واستمرّت بوصفها صراعًا على المعنى: من يملك تعريف الدولة؟ ومن يُستبعد باسمها؟
واليوم، انتهت هذه الحرب بانهيار البنية التي حكمت السودان عقودًا، لا بسقوط مدينة ولا بتبدّل خط تماس.
وبعد هذه المقدّمة، لا يبقى سوى انتظار إعلان العالم لحقائق السودان الجديد خلال أيامٍ قادمة؛ إعلان لا يصنع الواقع، بل يكشفه، ولا يمنح النصر، بل يقرّ بما حُسم بالفعل.
داخل هذه الرواية الكبرى، توجد حكايات.
حكاية كادقلي، مثلًا، تُرى وتُروى وتُحلَّل.
لكنها، في هذا السياق، جملة داخل نص أطول.
المعركة تُرى لأنها تقع في مكان؛
أما الحرب—حرب إعادة الهيكلة—فلا تُرى لأنها تقع في الزمن.
وهنا يقع الالتباس الذي يعيش عليه الخطاب القديم.
يحتفل بالحكاية لأنه لا يستطيع مواجهة الرواية.
يصفّق لفتح طريق، لأنه لا يملك لغة يتعامل بها مع سقوط نموذج.
ما لا يعرفه—أو يتجاهله—أننا انتصرنا في الحرب بشروطنا.
لا انتصار صور ولا خرائط، بل انتصار تفكيك وإعادة تأسيس.
بينما يفرحون بالأسفلت، كنّا نخوض حربًا أطول:
تفكيك الدولة التي قامت على الإقصاء، وبناء دولة المواطنة، والعلمانية، والحقوق المتساوية.
لقد سقط نموذج لم يكن دولة فصل عنصري فحسب، بل دولة عبودية سياسية واجتماعية؛
نموذج أعاد إنتاج الامتياز والوصاية باسم “المركز”، وجرّد الإنسان من حقوقه باسم “الدولة”.
هنا يتضح الفرق بين من يعيش على الحكايات ومن يكتب الرواية.
الحكاية حدثٌ قصير العمر، قابل للتكرار والنسيان.
أما الرواية فهي مشروع نضالي طويل النفس—ثلاثة وأربعون عامًا من الصراع البنيوي—انتهى بانهيار البنية التي حكمت، لا بتغيير وجوهها.
المركز، في لحظة التحوّل هذه، لم يُهزم عسكريًا بقدر ما انكشف تاريخيًا.
ظنّ أن الزمن ثابت، وأن الدولة ميراث لا يُعاد التفاوض عليه.
وحين تغيّرت الشروط وسُحبت الامتيازات، لم يقرأ الصفحة الجديدة، بل تمسّك بذاكرة لم تعد صالحة لإدارة الحاضر.
ومن هذا العمى الزمني وُلدت الكوميديا السياسية:
احتفال بطريق بوصفه سيادة، وبأسفلت بوصفه دولة.
كأن المشكلة التاريخية كانت نقص الطرق لا اختلال العقد الاجتماعي.
كأن العدالة تُعبد بالكيلومترات، والانتماء يُقاس بطول الطريق.
المعركة التي تُرى تُكسب وتُخسر،
أما الحرب التي لا تُرى فهي التي تُسقط الامتيازات،
وتُثبت أن من يحتفل بالطريق… لم يفهم الدولة.
وعليه، فإن ما سيأتي ليس إعادة تدوير للمشهد القديم.
لن تكون هناك جمعية تأسيسية تُفصَّل على مقاس المركز، كما حدث عشية خروج المستعمر البريطاني حين سُلّمت الدولة إلى مستعمر داخلي.
ما سيأتي هو جمعية تأسيسية جديدة، تعبّر عن ميزان قوى تغيّر فعليًا، وتؤسّس لدولة لا تحتاج إلى هامش لأنها قامت على المواطنة.
نحن انتصرنا في الحرب التي لا تُرى.
وانتصارنا هذا سيظهر بوصفه إعلانًا سياسيًا عالميًا، لا احتفالًا محليًا عابرًا.
العالم بدأ يرى ما كان يُوارى: أن ما انهار ليس حكومة ولا إدارة، بل سردية حكم فقدت شرعيتها ومعناها.
وهنا تتجلّى المفارقة التي ينبغي التوقف عندها.
المعركة التي تُرى والحرب التي لا تُرى ليستا توصيفين متناقضين، بل تعبيرًا عن مستويين مختلفين من الصراع:
الأولى تُقاس بالحدث الآني،
والثانية تُقاس بالأثر التاريخي المتراكم.
حتى كادقلي، التي تُقدَّم اليوم في الخطاب الرسمي بوصفها محطة ميدانية، ستظل اختبارًا لسلامة القرار السياسي والعسكري.
من يعرف خصوصية كادقلي يدرك أنها ليست مساحة عادية، وأن التعامل معها بوصفها مجرد عنوان دعائي ينطوي على مخاطر كبيرة، ليس على الأطراف المنخرطة فحسب، بل على المجتمعات المحلية نفسها.
قد يبدو المشهد اليوم قابلاً للاحتفاء، لكن التجربة السودانية علّمت الجميع أن النتائج لا تُقاس بلحظة الإعلان، بل بما يترتب عليها لاحقًا.
وعندما تتكشّف الكلفة الإنسانية والسياسية، يتحوّل السؤال من: ماذا أُنجز؟
إلى: كيف أُدير القرار، ومن تحمّل تبعاته؟
في هذا السياق، ستغدو كادقلي جزءًا من السجل التقييمي للمجتمع الدولي، لا بوصفها خبرًا عابرًا، بل بوصفها مؤشرًا على طبيعة الخيارات المتَّخذة.
مؤشرًا يفرّق بين من خاض معركة مرئية قصيرة الأمد، وبين من كان يدير حربًا غير مرئية تتعلّق بإعادة بناء الدولة وتفكيك أسباب الصراع من جذورها.
وهكذا تُختَتم الدائرة بهدوء:
المعركة التي تُرى قد تُكسب أو تُخسر،
أما الحرب التي لا تُرى فهي التي تُعيد تعريف المشهد كله،
وتحدّد، في النهاية، من قاد البلاد نحو الاستقرار…
ومن حمّلها أعباء مرحلة جديدة.
هذا هو إعلان النصر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.