Fajr Press

دويّ سقوط الدولة السودانية

بقلم - عمار نجم الدين

ما يجري في السودان اليوم ليس حربًا عادية، ولا «انفلاتًا» يمكن احتواؤه بخطاب التهدئة، بل لحظة سقوط تاريخي لعقلٍ حكم البلد لعقود وهو يتوهّم أنه الدولة ذاتها. هذه الحرب ليست صدفة، ولا انحرافًا عابرًا، بل الحصيلة المنطقية لمسار طويل من الإفقار المقصود، والتهميش المنهجي، واستخدام الهشاشة الاجتماعية كأداة حكم. دولةٌ صاغت العنف سياسة، ثم تباكت عليه حين انفجر خارج سيطرتها.

لقد قامت الدولة السودانية، في جوهرها، بوصفها جهاز امتياز لا بوصفها عقدًا وطنيًا. احتكرت السلطة والثروة، ثم احتكرت المعنى، فحوّلت المواطنة إلى مكافأة، والانتماء إلى اختبار طاعة، والوطن إلى ملكية رمزية لجماعة ترى نفسها الأصل وما عداها هوامش ملحقة. لم يكن التنوع خطرًا عليها لأنه فوضى، بل لأنه يفضح كذبة التفوق، ويقوّض وهم الأحقية. لذلك لم تُدار البلاد، بل حُرست امتيازاتها، ولم تُبنَ دولة، بل شُيّدت منظومة إقصاء مغطاة بخطاب ثقافي وعرقي أحادي.
ما يسقط اليوم ليس ترتيبًا سياسيًا، بل «العقل الوصي» الذي ادّعى امتلاك الحقيقة، واحتكر تعريف الوطنية، ونصّب نفسه ناطقًا باسم الجميع. عقلٌ شرعن العنف باسم الاستقرار، وغطّى الإقصاء باسم الوحدة، وصادر السياسة باسم الحكمة. ومع انهياره، تتهاوى أسطورة «الأوحد» الذي لا يُسأل، وتنكشف هشاشة الشرعية التي قامت على الوصاية لا على الرضا العام. السؤال المؤجّل انفجر أخيرًا: من يعرّف الدولة؟ ومن يملك حق صياغة معناها؟ ومن قرر أن الوطن يُقاس بقربه من المركز؟
الصراع الجاري ليس تنازعًا على إدارة الدولة، بل معركة على تعريفها. بين من يريد ترميم المركز ذاته بطلاء جديد، والإبقاء على الامتيازات نفسها بأسماء مختلفة، ومن يريد تفكيك البنية التي صنعت الأزمة من أساسها. كل خطاب يختزل المشهد في «أزمة انتقال» أو «توازن قوى» هو تواطؤ معرفي يعيد إنتاج الخراب، لأنه يرفض تسمية الجرح باسمه: دولة الامتياز.
ما بعد الحرب لا يُبنى بالترقيع ولا بتدوير النخب، بل بقطيعة واعية مع المنظومة التي أوصلت البلاد إلى هذا القاع. قطيعة تُنهي احتكار القرار والمعنى، وتكسر مركزية ترى نفسها معيار الوطن، وتدستر التعدد بوصفه قاعدة لا زينة، وتعيد السياسة إلى المجتمع بدل مصادرتها باسم العقلانية. دولة قانون لا تُكافئ القرب من المركز ولا تعاقب الاختلاف، بل تؤسس الحقوق على المواطنة المتساوية وحدها.
سودان ما قبل هذه الحرب انتهى. انتهى لأن الواقع لم يعد يقبل تعريفًا واحدًا للوطن، ولا إدارة بعقلٍ واحد. وبينما يغرق البعض في تفاصيل المعارك اليومية، يدور الصراع الحقيقي على الرواية الكاملة: من يحدد شكل الدولة، وكيف تُبنى شرعيتها، ولصالح من تُدار؟ كل محاولة لإحياء الدولة القديمة، تحت أي مسمى، ليست سوى تمهيد لحرب قادمة. الخروج الوحيد يمر عبر تفكيك بنية الامتياز بلا تردد، وبناء دولة المعنى المفتوح، لا دولة الوصاية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.