Fajr Press

(بيان بلا براءة): ازدواجية الخطاب السعودي في السودان!

كتب - منعم سليمان

لم يكن البيان الصادر أمس عن وزارة الخارجية في المملكة العربية السعودية بشأن الحرب السودانية تعاطفًا إنسانيًا معزولًا عن الحسابات السياسية، بل جاء محمّلًا بحسابات سياسية دقيقة، وصياغات انتقائية، وتوقيت لا يخلو من الدلالات.

فاللغة التي اختارها البيان، وما تضمّنه من توصيفات حادّة، لا يمكن فصلها عن سياق إقليمي مأزوم تحاول فيه الرياض إعادة ترتيب أوراقها، بعد أن بدأت دوائر دولية تقترب من منطقة ظلّت محرّمة طويلًا: ارتكاب الحماقات السياسية ثم الاحتماء خلف أبواب المقدّسات!

وحين واجه عبد المطلب بن هاشم، جدّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، جيش أبرهة، لم يختبئ خلف الكعبة، بل أطلق مقولته الخالدة التي تختصر جوهر الأخلاق السياسية: (أنا رب الإبل، وإنّ للبيتِ ربًّا يحميه). وهي مقولة لا تُستدعى للوعظ، بل للتذكير بأن المقدسات لا تحتاج إلى من يحميها أو يستغلها، وأن العدالة لا تُحمى بالشعارات، بل بالاتساق بين القول والفعل.

لقد كشفت تقارير محلية سودانية عن وجود مواد إغاثية بحوزة جنود من الجيش والمليشيات والكتائب الإسلامية المتحالفة معه في أكثر من مسرح عمليات بغرب السودان، وهي وقائع يصعب تفسيرها بسوء توزيع أو خلل لوجستي عابر.

هذا الواقع، وغيره من الوقائع، وضع السعودية في موضع حرج، ودفعها إلى الانتقال من موقع الدفاع الصامت إلى الهجوم الخطابي، عبر توصيفات قانونية وأخلاقية مشددة، في محاولة واضحة لقلب مسار الاتهام وتحصين الذات سياسيًا، على نحوٍ يُذكّر بما حدث مؤخرًا لمصر عقب اكتشاف موقع القاعدة الجوية المصرية (السرّية) في العوينات، التي ثبت تورّطها في قصف السودان.

غير أن السودان، بالنسبة للسعودية، ليس سوى أحد وجوه المأزق الأوسع. فمنذ انسحاب الإمارات من اليمن، وجدت الرياض نفسها أمام فراغ استراتيجي ثقيل. فإما القبول بواقع سياسي جديد في الجنوب اليمني تطالب به الملايين في الشارع اليمني ويحظى بتأييد دولي متزايد، أو المجازفة بانفجار فوضى أمنية على حدودها الجنوبية، مع عودة الجماعات الجهادية التي كانت الإمارات تحاربها إلى العلن، فضلًا عن شبح مواجهة إقليمية أوسع لا يزال يلوح في الأفق.

وفي هذا السياق، تبدو السعودية كقوة إقليمية مثقلة بالاستنزاف، تبحث عن إثبات الحضور أكثر مما تمتلك فائض الاستقرار.

وليس من قبيل المصادفة أن يتزامن هذا التصعيد مع ما تردّد في تقارير دولية عديدة عن انتقادات أمريكية شديدة اللهجة وُجّهت إلى وفود سعودية زارت واشنطن مؤخرًا، من سياسيين ومشرّعين أمريكيين، ضد النهج السعودي الأخير في عدد من الملفات الإقليمية.

أخطر ما في البيان السعودي أمس ليس حدّته، بل مراوغته المفاهيمية. فعندما تتحدث الرياض في بيانها عن “الحفاظ على المؤسسات الشرعية” في السودان، فهي لا تستدعي الشرعية بوصفها عقدًا دستوريًا جامعًا، بل تستخدمها كصيغة سياسية مرنة تُبقي على سلطة الأمر الواقع في بورتسودان. فالواقع يقول إنه لا توجد اليوم سلطة شرعية في السودان، بل حفنة من العسكر الذين انقلبوا على الشرعية لإعادة إنتاج النظام الإسلامي القديم.

وهذا الخطاب يتناقض جذريًا مع الادعاء السعودي بمحاربة الإخوان المسلمين إقليميًا، ويكشف عن براغماتية انتقائية تُجرِّم الخصوم حينًا، وتُبيح التحالف معهم حين يخدم ذلك المصالح.

ويزداد هذا التناقض وضوحًا مع التحركات الدولية الأخيرة، لا سيما الطرح الذي تبنّاه دونالد ترامب بشأن نقل المبادرة من أطر إقليمية محدودة إلى فضاء أمريكي / دولي أوسع. هذا التحول أقلق عواصم إقليمية مؤثرة، وفي مقدمتها السعودية ومصر، وهو ما يفسّر سعي الرياض إلى استباق أي تغيير في قواعد اللعبة عبر خطاب تصعيدي يهدف إلى تثبيت سردية أحادية للصراع.

ضمن هذا السياق، جاء توصيف قوات الدعم السريع بوصفها “قوة إجرامية” دون إسناد قانوني، أو تقديم دليل ميداني مستقل على تورطها في القصف. فقد نفت هذه القوات صراحة مسؤوليتها عن قصف قوافل المساعدات الإنسانية، ولم يُقدَّم حتى الآن ما يثبت تورطها سوى اتهامات صادرة عن خصمها المباشر.

بل إن النزاهة تقتضي قراءة مغايرة؛ فلا مصلحة لقوات الدعم السريع في ارتكاب فعلٍ من هذا النوع. وليس هذا المقام مقامَ دفاعٍ عنها، ولا ينبغي أن يكون، فهي مثلها مثل الجيش وحلفائه، ارتكبت انتهاكات جسيمة يشيب لها الولدان.

غير أنّ هذه الواقعة تحديدًا يجب أن تُقرأ بمنطق المصالح لا بمنطق الاصطفاف. فلو كانت هناك جهة تملك مصلحة حقيقية في ارتكاب هذا الفعل، وينبغي توجيه الاتهام إليها، فهي الجهة التي ترفض إيقاف الحرب؛ إذ إن تعطيل مسار السلام يخدم، بالدرجة الأولى، الحركة الإسلامية وكتائبها المسلحة وأذرعها المتغلغلة داخل المؤسسة العسكرية، وهي قوى ترى في أي تسوية سياسية تهديدًا وجوديًا لمشروعها، وتسعى بكل الوسائل إلى نسف الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة لدفع الحل السياسي قدمًا.

في المحصلة، تبدو السعودية اليوم أسيرة تناقض استراتيجي مزدوج في الملفين السوداني واليمني. فهي تتجاهل — عن قصد أو إنكار — الدور الذي لعبته قوات الدعم السريع لأكثر من عقد في حماية حدودها الجنوبية من هجمات الحوثيين، ثم لا تتردد في نزع الشرعية عنها حين تتبدل أولويات التموضع السياسي.

هذا السلوك لا يعكس حرصًا حقيقيًا على الاستقرار، بقدر ما يكشف عن قصر نظر سياسي يبدّد التحالفات ويُضعف الخطاب الأخلاقي ذاته.

إن البيانات، مهما بلغت فصاحتها، لا تستطيع إخفاء التناقضات حين تتكاثر الوقائع. والشرعية، حين تُستدعى كقناع سياسي، سرعان ما تسقط عند أول اختبار جدي.

لقد بلغ السأم مداه من ذلك الابتزاز الديني، ومن نفاقٍ منتقبٍ طال أمده. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.