خريف السيادة السودانية: كولومبيا في “عنتيبي”.. وأنقرة في “العوينات”.. والأحزاب السياسية تعاني من “الكساح”!
بقلم - نفسية حجر
تأتي زيارة قائد قوات الدعم السريع، الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”، إلى العاصمة اليوغندية كمبالا، لتكشف عن تحول دراماتيكي في موازين القوى الدبلوماسية فبينما كانت “عنتيبي” شاهدة على مناورات سياسية مكثفة، أثبتت النتائج أننا أمام واقع جديد يفرض نفسه على خارطة الاعتراف الدولي، واقعٌ يتجاوز صراع الجنرالات إلى صراع المحاور الكبرى.
إن الفوارق الشاسعة بين استقبال كمبالا لـ مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة، وبين الاستقبال “الرئاسي” الباذخ الذي حظي به حميدتي، لا يمكن إغفال دلالاتها. فبينما كانت زيارة عقار بروتوكولية باردة لم تثمر عن أي تغيير في الموقف الأوغندي، جاء استقبال حميدتي ليمنحه اعترافاً واقعياً تجاوز لغة الدبلوماسية المترددة حيث كان السجاد الأحمر وحفاوة القصر الرئاسي بمثابة إعلان صريح من الرئيس موسيفيني بأن حميدتي ليس مجرد قائد عسكري، بل لاعب مكافئ وشريك استراتيجي يمتلك مفاتيح القرار. هذا التباين يمثل فشلاً ذريعاً لبعثة بورتسودان التي ذهبت لانتزاع شرعية حصرية، فعادت وهي تشاهد خصمها يُستقبل بمراسم لا تُقام إلا لرؤساء الدول.
إن اختيار “عنتيبي” كمنصة لهذا الاعتراف الضمني لم يكن وليد الصدفة فالتاريخ القريب يذكرنا بلقاء البرهان ونتنياهو الشهير عام 2020، والذي هندسته الراحلة نجوى قدح الدم عبر علاقاتها الوثيقة مع الرئيس موسيفيني. ولم يكن الدعم السريع بعيداً عن هذا المضمار، إذ تلت تلك التفاهمات زيارة “صامتة” ومهمة قام بها عبدالرحيم دقلو إلى إسرائيل. هذا السباق القديم نحو “البوابة الإقليمية” هو ما يفسر لماذا تبدو أوغندا اليوم وكأنها تفتح أبواب “الشرعية البديلة” لحميدتي، مستندة إلى إرث طويل من التنسيق الأمني والاستخباراتي الذي جعل من كمبالا عرّاباً للمصالح الدولية في المنطقة.
وفي قلب هذا الزخم الدبلوماسي، لم يتردد حميدتي في الإقرار بالاستعانة بخبراء من كولومبيا لتشغيل الطائرات المسيرة، وهو ما عكس ثقة “رجل يمتلك الأرض والجو” ويحظى بدعم عابر للقارات. وفي المقابل، يبرز الاعتماد الموازي للجيش على المسيّرات التركية (بيرقدار) ودور محور “جبل العوينات” على الحدود المصرية، الذي كشفت تقارير “رويترز” دوره كقاعدة لوجستية وفنية لإطلاق المسيرات. إن هذا الارتهان للسلاح الأجنبي وتدويل النزاع لم يكن ليحدث لولا الفراغ السياسي المريب حيث تبرز الأحزاب السياسية والقوى المدنية السودانية وهي تعاني من حالة “كساح” سياسي، أفقدها القدرة على المبادرة أو التأثير الحقيقي.
ورغم التحركات الدبلوماسية لـ عبد الله حمدوك وتنسيقية «صمود»، إلا أن الواقع أثبت أن حجم الصراع الكوني الدائر فوق أرض السودان أكبر بكثير من قدرتها وأوسع من أثرها المحدود؛ مما ترك الساحة فارغة تماماً لصوت الرصاص وصراع المحاور ليرسموا خارطة السودان الجديد بعيداً عن أحلام المدنيين.
إن الثقة المفرطة التي يظهرها قائد قوات الدعم السريع، وتجاوزه للدور العربي التقليدي، يثبت أنه يستند إلى جدار خفي من القوة؛ فهو لا يمتلك فقط السيطرة على موارد الذهب في “جبل عامر” واليورانيوم في “جبل مون” بغرب دارفور، بل يرتكز على خزان بشري هائل من المقاتلين الأشداء ذوي الأعمار الصغيرة والنزعة القتالية الشرسة، وهي القوة الميدانية الفتاكة التي يسيل لها لعاب القوى الدولية الباحثة عن “وكيل” قوي يضمن مصالحها في خارطة الطاقة والمعادن النفيسة.
إن الحقيقة المرة التي تتكشف اليوم هي أن السيادة السودانية باتت تُوزع في مطارات الآخرين فبينما تعجز بورتسودان عن حماية “شرعيتها”، وينجح حميدتي في انتزاع اعترافات ميدانية، تظل القوى المدنية والأحزاب أسيرة “كساحها” التاريخي وقلة حيلتها أمام عواصف المصالح الكبرى. إن خريف السيادة يتجلى في تحول الوطن إلى رقعة شطرنج لمصالح دولية، بينما يظل الشعب السوداني محاصراً بين مطرقة السلاح الأجنبي وسندان العجز السياسي الداخلي الذي فشل في حماية ما تبقى من حلم الدولة الوطنية.