كيف صَنعت القاهرة حكومة سودانية مدجنة لحماية نهب الذهب؟ .. سلطة بورتسودان في “بيت الطاعة”
بقلم - نفيسة حجر
في مشهدٍ يختزل مأساة السيادة المختطفة، تصدّر فيديو “مفبرك” لعضو مجلس السيادة إبراهيم جابر وهو يطلق تحذيرات نارية بشأن التعديات على الحدود، حديث المجالس السودانية. وبينما سارعت الجهات التقنية لكشف زيف المقطع، ظل السؤال الأهم معلقاً في الأفق هل كان هذا الفيديو “المصنوع” مجرد عمل عشوائي، أم أنه أداة تضليلية أُنتجت في مطابخ السلطة لامتصاص الاحتقان الشعبي والتغطية على حقيقة يدركها الجميع، وهي أن الحكومة السودانية باتت “مدجنة” بالكامل من قبل القاهرة؟
إن الحقيقة التي يحاول “فيديو الإلهاء” حجبها هي أن الحكومة السودانية الحالية لم تعد تملك زمام قرارها السيادي، بل أصبحت سلطة مدجنة تماماً ومساقة خلف الإرادة المصرية.
هذا التدجين جعل من السلطة السيادية في بورتسودان مجرد واجهة تنفذ الأجندة الشمالية مقابل أوهام الدعم السياسي، مما أفقد السودان قدرته على قول “لا” حتى وهو يرى آليات مصرية تتوغل داخل أراضيه وتطرد المعدنين السودانيين من مناجمهم داخل حدود بلادهم. إن حالة الانبطاح هذه هي التي مهدت الطريق لاستباحة الأرض فالحكومة المدجنة لا تملك الجرأة على حماية “ذهبها” لأنها ببساطة لا تملك قرارها المستقل الذي تمت مصادرته في كواليس التبعية.
وبينما تنشغل السلطة بتقديم فروض الطاعة، تنشغل الآليات المصرية في مناطق التعدين الحدودية بنهب منظم وممنهج لمقدرات الشعب السوداني.
إن طرد المعدنين السودانيين من مواقع عملهم ليس مجرد تجاوز حدودي، بل هو انعكاس لواقع دولة فقدت هيبتها لصالح “المصالح المصرية”. هذا النهب الذي يطال الذهب والماشية والمحاصيل بل وصل لمرحلة قطع الغابات هو الضريبة التي يدفعها المواطن السوداني يومياً مقابل صمت حكومته، التي اختارت أن تكون حارساً لمطامع الحكومة المصرية بدلاً من أن تكون حارساً لثروات أجيالها.
ومن المرجح جداً أن تكون فرضية “صناعة الفيديو لإلهاء الشعب” هي الحقيقة المختبئة خلف الكواليس فحين تصل السلطة إلى مرحلة من “التدجين” تجعلها غير قادرة على اتخاذ موقف رسمي واحد يحمي السيادة، لا يتبقى لها سوى اللجوء إلى “البطولات الافتراضية” عبر الذكاء الاصطناعي لإيهام الشارع بأن هناك حزماً، بينما الحقيقة هي ارتهان كامل وتنازل عن الأرض وما فوقها وما تحتها.
إن استرداد الذهب المنهوب يبدأ أولاً بكسر قيود التدجين السياسي الذي كبل القرار الوطني السوداني وحوله إلى أداة في يد القاهرة. السيادة لا تُمارس عبر المقاطع المفبركة، بل تُنتزع بحماية الأرض وكرامة المواطن الذي يواجه اليوم موجات الترحيل القسري والنهب المنظم في ظل غياب تام لدولة أصبحت “ظلاً” لغيرها.
على الشعب السوداني أن يدرك أن الأزمة ليست فقط فيمن ينهب ثرواته، بل في هذه السلطة التي تخلت عن واجبها واختارت أن تكون “مدجنة” ومنساقة خلف إرادة مصرية لا تخدم سوى مصالحها الخاصة على حساب كرامة وتراب السودان وثرواته المنهوبة.